>

هل يمرّ يوم والعراق ليس فيه موت؟

رأي القدس

في صورة تبيّن كيف فهمت جماهير مدينة الصدر العراقية التفجيرات الأخيرة في مناطقها تظهر مظاهرة احتجاج لعشرات الأشخاص يعتصر الألم وجوههم يحملون يافطات تحمل صور رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ووزير الداخلية محمد الغبان (عن «كتلة بدر») ونائبة البرلمان (عن كتلة «دولة القانون») حنان الفتلاوي وتحمل جملة من كلمتين: وصلت رسالتكم!
وكان حاكم الزاملي رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب العراقي، المحسوب على التيّار الصدري، قد عبّر ضمناً عن هذا الرأي بتحميله وزارة الداخلية مسؤولية التفجيرات التي حصلت، قائلاً إن همّها كان مراقبة المتظاهرين الذين دخلوا «المنطقة الخضراء» من بغداد أكثر من اهتمامها بالحفاظ على أمن الجمهور العراقي.
والحال أن الرأي الشعبيّ العراقيّ يحمل دلالات لافتة فتنظيم «الدولة الإسلامية» لم يكن قادراً على اختراق بغداد وإحداث هذه التفجيرات الكبيرة عندما كان مسيطراً على أربع محافظات عراقية وفي أوج قوته، ولابد أن هذا الرأي سيلقى صدى أكبر مع تكرّر التفجيرات المهولة في ضواحي بغداد الفقيرة التي حصدت مئات الضحايا من القتلى والجرحى خلال أقل من أسبوع.
وإذا كان توجيه التهمة لتنظيم «الدولة الإسلامية» (الذي يتباهى أصلاً بمسؤوليته عن شتى الأعمال الإرهابية) هو أسهل الحلول، وادعاء أن القضاء عليه عسكريّاً سيفك الحلقة الجهنمية المستعصية في العراق، فما الذي يدفع جماهير شيعيّة، تكره هذا التنظيم غريزيّاً، إلى توجيه الاتهامات بالتواطؤ في التفجيرات إلى أطراف عسكرية وسياسية شيعية تتحالف معها سياسيا وعسكريا؟
وما الذي يدفع أيضاً هذه الجماهير نفسها إلى رفع الشعارات ضد التسلّط الإيراني على الوضع السياسي والعسكري في العراق (مثل: «إيران برّه بره… بغداد تبقى حرة»)، فيما تتبرّع الأطراف الشيعيّة الأخرى بالدفاع عن إيران وقاسم سليماني معتبرة من رددوا الهتافات «أخطر من العدوّ الذي يحاربه الحشد الشعبي»؟
توجّه هذه الاتهامات المتبادلة بعض الضوء على جذور الأزمة العراقية والتي لا يمكن، من دون حلّها، إخراج العراق من الاستعصاء البنيوي الكبير الذي يكرّس هذه الأزمة.
تكمن جذور الأزمة السياسية الحالية في الاحتلال الأمريكي للعراق والذي أدّى إلى تحطيم الدولة والجيش العراقيين وبدأ عملية إضعاف المكوّن السنّي وأفضى عمليّاً، مع انسحاب القوات الأمريكية، إلى السيطرة الإيرانية الكاملة على مجريات الحياة السياسية في العراق.
بهذا الاحتلال المباشر لأحد أكبر وأغنى البلدان العربيّة يعمل الإيرانيون بدأب وإصرار على منع صعود الهويّة الوطنية العراقية والوسيلة الكبرى لهذا المنع هو اعتماد السرديّة الطائفيّة وهو اتجاه سياسيّ تدميريّ يتخادم بالضرورة مع وجود تنظيم «الدولة الإسلامية» باعتباره مرآة الانتقام «السنّية» من الطغيان «الشيعيّ»، في استعادة ألفيّة للنزاع الشيعي ـ السنّي الذي كان، منذ العصر الأمويّ منبع نزاعات دمويّة في العراق لا تجد معنى أو نهاية إلا بانتهاء العراق الحديث نفسه.
بمنطقها البسيط، استطاعت الجماهير الفقيرة لمدينة الصدر الإمساك بهذا المعطى التأسيسي للعراق، وبغير ذلك فلن نتذكر العراق إلا كما مع جملة بدر شاكر السيّاب في «أنشودة المطر»:
ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع.
ما فعله الاحتلال الأمريكي والتدخل الإيراني في العراق أن حوّلا الجوع السنويّ للعراقيين إلى موت يوميّ.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا