>

هل حان الوقت لمحاكمة بلير؟ - رأي القدس

هل حان الوقت لمحاكمة بلير؟
رأي القدس

من المؤسف ان البعض في العالم العربي اعتمدوا في تعليقهم على ما سمي خطأ بـ» اعتذار توني بلير المفاجئ عن غزو العراق» على ترجمات او ملخصات غير دقيقة لحديثه مع قناة (سي ان ان) قبل يومين.
اما الواقع فان الرجل المعروف بتلاعبه بالالفاظ قدم صيغة ملغومة لا تعد اعتذارا كما انها ليست مفاجأة. اذ اقتصرت على اعتذار عن «خطأ المعلومات الاستخباراتية بشأن امتلاك العراق اسلحة دمار شامل». لكنه لم يعتذر ابدا عن الغزو نفسه، بل انه قالها صريحة «من الصعب الاعتذار عن اطاحة صدام» مؤكدا «ان العراق اليوم في 2015 بدون صدام افضل منه بوجود صدام». كما اعتذر عن ان نتائج الغزو بالنسبة للعراق لم تجئ مطابقة لتصوراته»(..).
هل يمكن تصور وقاحة وعنصرية واجرام اكثر من هذا؟
هذا الشخص الذي ينبغي ان يمثل امام المحكمة الدولية لم ير فيما حدث سوى «اطاحة نظام صدام». لم يعتذر، بل لم يذكر بكلمة واحدة، عن اكثر من مليون مدني عراقي قتلوا في ذلك الغزو، ولم يعتذر عن الآلاف الذين قتلوا، ومازالوا يقتلون حتى اليوم، على ايدي التنظيمات الإرهابية التي تدفقت على العراق بسبب الفراغ الامني الهائل الذي خلفه الغزو وخاصة بعد تسريح الجيش العراقي لاحقا لمصلحة اسرائيل.
الى هذه الدرجة يعتبرون ارواحنا رخيصة؟
مقتل اكثر من مليون انسان لا يستأهل اكثر من اعتذار عن «خطأ المعلومات الاستخباراتية»، اما الادهى فانه ليس جديدا، حيث كان المشاركون في الحرب وعلى رأسهم جورج دبليو بوش اقروا به بعد الغزو مباشرة في صيغة شبه اعتذارية تكبرت عن تحمل مسؤولية احدى اكبر الكوارث العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية.
اما لماذا لم يكن كلام بلير، وليس اعتذاره، مفاجئا فلأنه من المتوقع ان يصدر قريبا تقرير لجنة تشيلكوت المكلفة بالتحقيق في غزو العراق، وهذه ستوجه اللوم اليه وآخرين في الحكومة. وهكذا اراد ان يستبقه بكلام يشبه الاعتذار، وبالتالي يبدو كمن استيقظ ضميره فجأة، بدلا من ان يبدو نتيجة لما سيناله من لوم.
ولأن بلير لا يستطيع ان يتوقف عن الكذب والاحتيال، فقد حاول «احتواء» سؤال بشأن مسؤولية قراره بغزو العراق عن ظهور تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» و»الدولة» في العراق. وقال بخبث واضح انه «توجد عناصر من الحقيقة في هذا الكلام» لكنه سرعان ما سعى إلى نسفه من اساسه عندما قال ان «تنظيم الدولة جاء من سوريا وليس من العراق»(..).
ومن المؤسف ان المحاور تركه يفلت بهكذا مغالطات واضحة في حديث بدا بوضوح انه مصمم لمساعدته على غسل يديه من احدى اكبر الجرائم ضد الانسانية في العصر الحديث.
اما الواقع فهو انه لا «القاعدة» ولا «الدولة» كان لهما اي وجود سواء في العراق او سوريا قبل الغزو. وقد اقر بوش نفسه بأن ما زعمه «ادلة» على صلات ربطت بين «القاعدة» والعراق كانت ملفقة.
وبكلمات اخرى فان مسؤولية بلير وسيده بوش الجنائية والسياسية لا تقتصر على الضحايا في العراق ثم سوريا فحسب، بل تتسع لتشمل ضحايا تلك التنظيمات الإرهابية في الشرق الاوسط واوروبا ايضا. ذلك ان تحول العراق وبالتالي سوريا إلى «جنة للإرهاب» تجذب الإرهابيين من مختلف انحاء العالم، ثم تعيد تصديرهم اليه، ما كان ليحدث لولا جريمة الغزو في المقام الاول.
اما الكذبة الكبرى التي مازال يصر عليها بلير فهي ان ما حصل كان «خطأ» من اجهزة الاستخبارات. فالعالم كله اصبح يعرف ان التحضير للغزو بدأ قبل اكثر من عام من حدوثه، وكان المحرك الاساسي له تحالف المحافظين الجدد مع اللوبي الصهيوني الذي اراد ان يحقق حلما اسرائيليا بتصفية الجيش العراقي الذي حارب في فلسطين في العام 1948، وساند الجيشين المصري والسوري في العام 1973، وحاول اقامة برنامج نووي عسكري، واخيرا كان يصر على رفض الاعتراف بوجود اسرائيل.
اما من لديه اي شك في صهيونية بلير، الذي رضي به العرب «وسيطا نزيها» لسنوات طويلة كرئيس للجنة الرباعية، فعليه ان يفحص تاريخ عمله فيها، وما حققته من نتائج كارثية بالنسبة للقضية الفلسطينية.
لقد اقترف بلير ومعه بوش جرائم حرب تفوق ما ارتكبه كافة الحكام الديكتاتوريين في العالم العربي، ولا يعني هذا اي تبرير او انتقاص من حجم تلك الجرائم المروعة، ولكنه يعني انه حان الوقت لمحاسبتهما احتراما لنهر من دماء الابرياء، لا يعرف احد متى او اين سيتوقف.

رأي القدس



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا