>

مصير ساسة النظام العراقي: تفاحة فاسدة واحدة! - هيفاء زنكنة

مصير ساسة النظام العراقي: تفاحة فاسدة واحدة!
هيفاء زنكنة
Jul 25, 2017

فيديو1: جنود عراقيون يعذبون أسيرا يشبه في نحافته المرضية أسرى المعتقلات النازية. كما لو كانوا في حفلة، لا يكتفي حوالي عشرة منهم بالمراقبة بل ينتظر كل واحد منهم دوره، بفارغ صبر، للمساهمة بالتعذيب الجماعي. يسحلون الأسير ثم يرمونه من حافة جرف. بنشوة من حقق انتصارا، يحتفلون باطلاق النار عليه، وعلى أسير آخر، كانوا قد رموه سابقا.
فيديو 2 : يمزق جندي وجه أسير بسكين. لولا البزة العسكرية، وعدم حرفية الاخراج، لظننا ان الجندي ارهابي من داعش.
فيديو 3: تعذيب أسير شبه عار قبل قتله.
هذه نماذج من عشرات الفيديوهات الكابوسية التي قام الجنود العراقيون، أنفسهم، بتصويرها ونشرها على الانترنت، في الوقت الذي كان رئيس الوزراء حيدر العبادي يلقي فيه خطاب النصر ضد قوى «الظلام والوحشية والإرهاب»، في 10 تموز / يوليو. ولاتزال احتفالات القوات العراقية والحشد الشعبي بـ»النصر» مستمرة في الموصل ومدن أخرى بذات النمط. حيث وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الحقوقية الدولية، في تقريرها المعنون « العراق: موقع إعدام قرب المدينة القديمة في الموصل: يجب إجراء تحقيق ومعاقبة المسؤولين عن أي جرائم حرب» الصادر في 19 تموز/ يوليو، «احتجاز واعتقال القوات العراقية ما لا يقل عن 1200 رجل وصبي في ظروف لا إنسانية ومن دون تهمة، وفي بعض الحالات تعذيبهم وإعدامهم، بذريعة انتمائهم إلى داعش» بالاضافة الى «شهادات مفصلة عن التعذيب والقتل خارج القضاء بحق عناصر «داعش» المشتبه بهم، المأسورين من قبل عناصر الأمن والجيش العراقيين».
ما يميز حالات التعذيب والقتل، في الموصل، عما تعودنا عليه في معتقلات النظام العديدة، في ارجاء العراق، كما يميزها عن سردية التعذيب تحت الانظمة السابقة، هو تصويرها ونشرها من قبل قوات الامن والجيش، مما يعني انها لم تعد معنية باخفاء بشاعة افعال، تعتبر خارج نطاق القانون وتستوجب المحاسبة، أولا، وأنها فخورة بما تفعله الى حد التصوير والنشر، ثانيا. فهي تعرف، جيدا، بأنها لن تخضع للمحاسبة، مما يمنحها الحصانة لتفعل ما تشاء على مستوى اعتقال وتعذيب وقتل الاشخاص ونهب البيوت وتفجيرها، كعقاب جماعي، لمجرد الاشتباه. فحرية التعذيب والقتل، مكفولة من قبل مؤسسات النظام، بدءا من مكتب رئيس الوزراء الى الهيئات الأمنية والقضائية، مرورا بأعضاء البرلمان، الذين يتعاملون مع مبادئ حقوق الانسان، باعتبارها مفصلة حسب الطائفة أو القومية التي ينتمون اليها، فقط، وليست للجميع . لذلك، بات انكار النظام لما يرد في التقارير الحقوقية من انتهاكات وجرائم، أو اتهامها بنشر الاكاذيب، أمرا عاديا. فرئيس الوزراء لا يجد حرجا في اتهام منظمات حقوق الانسان، بـ»تشجيع الإرهابيين على قتل الأبرياء» خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، يوم 19 تموز/يوليو . أما من يذكر أرقاما، مغايرة لما يصدر عن النظام، عن اعداد الضحايا في الموصل، فهو متهم بترويجها « لتحقيق اهداف مشبوهة». ويشارك البرلمانيون في حملة توجيه الاتهامات ضد المنظمات الحقوقية، كل حسب دينه وقوميته. حيث تصدت النائبة فيان دخيل، الممثلة للايزيديين، يوم 10 تموز/يوليو، لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، متهمة اياها بأن تقاريرها أشبه بالسياسة «مدفوعة الثمن مسبقاً»، بعد ان نشرت المنظمة تقريرا ذكرت فيه ان حكومة إقليم كردستان قامت بترحيل أسر ايزيدية «قسرا» بسبب انضمام أقارب لها إلى قوات الحشد الشعبي.
لا يقتصر الانكار على النظام والبرلمانيين العراقيين بل تشاركهم السباق الولايات المتحدة الامريكية، ولكن بأسلوب «حضاري» بعض الشيء، تتجنب فيه ذكر مفردات التعذيب والاعتقال والاعدام، مستخدمة بدلا منها مفردة ناعمة، هي «تجاوزات». ففي 17 تموز/يوليو، بعد انتشار الفيديوهات، الفاضحة لسلوك القوات التي تفتخر امريكا وبريطانيا بتدريبها على احترام حقوق الانسان، أكدت وزارة الدفاع الامريكية «البنتاغون»، إنه لا يمكنها تأكيد صحة تقارير عن حصول « تجاوزات» من قبل القوات العراقية في الموصل.
هل يثير كذا انكار الاستغراب؟ أتمنى، في قرارة نفسي، ان يكون الجواب نعم، لئلا نفقد أملنا بتطبيق مبادئ انسانية شاملة، عابرة للاوطان، للجميع بلا استثناء. لكن البرابرة، مهما حاولنا توقع الاسوأ منهم، يدهشوننا، دائما، بوحشيتهم. فما ارتكبه تنظيم «الدولة الاسلامية» بحق المدنيين، وحشي، بكل المقاييس. الا اننا يجب ألا ننسى ان ما سبقه من تعذيب وقتل لأسرى عراقيين، نساء ورجالا واطفالا، من قبل الامريكيين والبريطانيين، في سجن أبو غريب وغيره، وحشي بكل المقاييس أيضا. وما يجعل المحتل الامريكي، خاصة، سباقا، بامتياز، انه أسس لنوعية جديدة من السلوك الوحشي، الجامع ما بين عنصرية الاحتلال تجاه أهل البلد المحتل، كموقف عام، والنزعات السادية الفردية، المبررة بالضجر، والخوف من «الآخر»، والخضوع لسلوك الجماعة، مهما كان السلوك لا أخلاقيا، ومخالفا للقيم التي يعرفها الفرد.
«انها بضع تفاحات فاسدة». كان التبرير الامريكي الرسمي، لواحدة من أكبر الفضائح التي واجهتها الادارة الامريكية، وهي تحتل بلدا بذريعة التحرير وتأسيس ثقافة احترام حقوق الانسان فيه. هل كانت الانتهاكات اللا انسانية نتيجة وجود «بضع تفاحات فاسدة»، أم كانت سياسة منهجية للادارة الامريكية؟ ما الذي يدفع «أفرادا أسوياء الى ارتكاب أفعال وحشية، كما في أبو غريب؟ فهل هي التفاحات الفاسدة أم الصندوق الذي وضعت فيه وحولها الى تفاحات فاسدة؟»، يتساءل عالم النفس الاجتماعي فيليب زمباردو. هذه التساؤلات تنطبق على مسار التعذيب والقتل، بعلم ساسة ومسؤولي النظام العراقي وحمايتهم، ولم نسمع منذ احتلال البلد لارساء حقوق الانسان، اعتقال ولو شخص واحد بتهمة انتهاك حقوق الانسان، مما يجعلنا ندور في حلقة، يأخذ فيها الافراد القانون بأيديهم، وينفذونه انتقاما وارتزاقا. وكلما طال الوقت بدون تحقيق العدالة، للجميع، سيزداد ضيق الحلقة، لتبتلع، ذات يوم، بوحشيتها، مسؤولي النظام نفسه.

٭ كاتبة من العراق



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا