>

مارين لوبان في لبنان: لقاء العنصريات؟ - رأي القدس

مارين لوبان في لبنان: لقاء العنصريات؟
رأي القدس

زارت مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرّف في فرنسا، لبنان في إطلالة متوقعة على العالم العربي والإسلامي. مجيء لوبان لم يكن زيارة عاديّة لمرشّح رئاسيّ، كما حصل مع المرشح إيمانويل ماكرون (الذي حضر إلى لبنان في أواخر شهر كانون الثاني/يناير الماضي) لأنها أول زيارة للبنان لمرشّح يمثّل اليمين المتطرّف، وإضافة إلى طابعها الدبلوماسيّ فالأولى القول إنها تريد تسجيل عدد من النقاط المهمة في المشروع السياسي لحزبها.
وعلى عكس زياراتها الخارجية التي عادة ما تواجه بجمهور غاضب يقذفها بالبيض والطماطم فإن لوبان حظيت بدعوة وحفاوة من قبل الدولة اللبنانية نفسها وتساوى في ذلك المسؤولون الذين يعتبرون فرنسا «الأم الحنون» للبنان (كالرئيس اللبناني ميشال عون وصهره وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل والبطريرك الماروني بشارة الراعي) مع باقي الشخصيات الرسمية بما فيها رئيس الوزراء سعد الحريري ومفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان، وبالتالي فالترحيب بها لم يجيء من حزب مناظر لحزبها في الانتماء الأيديولوجي أو جماعة متعاطفة مع أطروحاتها حول «فرنسا للفرنسيين» و«المتطرفون موجودون بيننا» و«سنحاربهم في الداخل والخارج» فحسب.
لم تخرج التصريحات التي ألقتها لوبان على مسامع العالم العربي والإسلامي من لبنان عن فحواها الذي اعتدناه من زعيمة «الجبهة الوطنية» فبعد لقائها بباسيل قالت إن «أفضل طريقة لحماية المسيحيين في الشرق الأوسط هي القضاء على التطرّف الإسلامي»، وفي لقائها مع الحريري ألقت، كما هو متوقع، أوراقها وراء الرئيس السوري بشار الأسد الذي «يشكل حلاً يدعو للاطمئنان لفرنسا أكثر من الدولة الإسلامية» (وهو تصريح القصد منه محو نضال مئات آلاف السوريين الذين ثاروا على النظام واختزالهم جميعاً إلى عناصر في التنظيم المتطرّف).
يحمل هذا التصريح معنى سياسة لوبان، فرغم تخفّيه وراء خطاب مكافحة التطرّف و«البربرية» فإن المقصود، من دون التباس وغمغمة، ليس عداؤها لأي شكل من أشكال الإسلام السياسي المعادي للأنظمة الدكتاتورية بل كل المسلمين، والجهات الوحيدة المقبولة في مملكة لوبان العنصرية هي الأنظمة والأحزاب التي تعادي، بشكل مباشر أو غير مباشر، المسلمين وأشكال كفاحهم السياسية الموجهة ضد الطغيان والعنصرية واليمين الغربي المتطرف.
رئيس الوزراء اللبناني الذي أحس بلهيب العنصرية يلفحه عند مقابلة زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي حاول تقديم دفاع عن المسلمين باعتبارهم «أول ضحايا الإرهاب المتستر بلباس الدين» كما حاول الاحتجاج على «الخلط الطائش الذي نشهده في وسائل الإعلام والخطابات بين الإسلام والمسلمين من جهة وبين الإرهاب من جهة ثانية»، وهو تسجيل لموقف مهم لكنّه يتخذ صيغة دفاعية لا تنتبه للعلاقة الصلبة بين «الإرهاب المتستر بلباس الدين» الذي يقوم به مسلمون، وسياسات العنصرية الغربية التي تمثّلها لوبان، وهي لا تختلف، في العمق، أيديولوجيّاً عن «داعش» وشقيقاته، إلا بألوان الماكياج الحضارية المستخدمة لإخفاء الوحش الكامن وراء الوجه الجميل والملابس العصرية رغم أن الأفعال والأقوال لا تستطيع إخفاؤه.
كان لافتاً، على مقلب آخر، حديث الرئيس اللبناني ميشال عون عن «القيم المشتركة التي تجمع بين الشعبين اللبناني والفرنسي»، و«شرح المفردات» لهذه القيم يمكن التوصل إليه عبر تصريحات مثل التي ألقاها عون مؤخراً حول «الحرب العالمية الثالثة التي يقودها الإرهاب في العالم»، وتصريحات صهره المسيئة للاجئين السوريين والفلسطينيين، فجوهر «القيم المشتركة» الذي يجري الحديث عنه هو قيم التحالف مع المتجبرين والطغاة (كبشار الأسد في سوريا و«حزب الله» في لبنان) والطائفية المشبعة بالعنصرية التي وقودها فقراء ولاجئو سوريا وفلسطين، مع التزلّف الكاذب للأنظمة العربية الخليجية، لإبقاء أبواب التصدير والسياحة والتمويل والتسليح، والتحالف مع الأنظمة العربية التي تنسّق مع إسرائيل بدعوى التحالف معها لكفاح التطرف الإسلامي (من دون إنزال يافطات الممانعة لمداهنة «حزب الله» وإيران).
من الطريف أن زعماء مثل أنغيلا ميركل، مستشارة ألمانيا، وجاستن ترودو، رئيس وزراء كندا، بل حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رفضوا مقابلة لوبان فيما تراكض المسؤولون اللبنانيون للقائها.
وجود لوبان في لبنان كان مناسبة جديدة لحكّ العنصريّات الشرقية والغربية وكشف جذرها المشترك.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا