>

حرب سياسية موضوعها جسد المرأة

رأي القدس

بثّت الفضائيات وعرضت وسائل الإعلام عموماً في الأسابيع الماضية مئات التقارير التي تدور حول قضايا تتعلّق بالمرأة وجسدها وكان لافتاً بين هذه التقارير ثلاثة أخبار مثيرة كان أشهرها موضوع حظر بلديات فرنسية عديدة للباس البحر المسمّى بـ»البوركيني» والذي تم نقضه بقرار قضائي فرنسي.
الخبر الثاني، والذي لا يقلّ غرابة وإثارة للجدل كان خبر قيام عناصر حزب العمال الكردستاني في العراق بخطف نساء كرديّات إيزيديات، كما فعل خصمهم الأيديولوجي «الدولة الإسلامية»، وذلك من قضاء سنجار الذي يسيطرون عليه بعد إخراجهم قوات تنظيم «الدولة» منه.
الخبر الثالث كان عن المشكلة المزمنة في مصر والكثير من البلدان الأفريقية وهي ختان الإناث والتي صدر فيها قرار قضائيّ أيضاً يحكم بالسجن من خمس إلى سبع سنوات على مرتكبه وخصوصاً ما أدّى منها إلى وفاة الفتاة.
الأخبار من ثلاث قارّات، أوروبا وآسيا وأفريقيا، ولكن يمكن بسهولة إضافة عشرات الأخبار الأخرى من باقي القارات ومن كافة البلدان والثقافات والأديان والأنظمة السياسية الديمقراطية والدكتاتورية، وكلها تقوم بشكل أو بآخر باستخدام سياسي للمرأة ولجسدها.
ففي فرنسا استخدمت التيّارات اليمينية والعنصرية قضية «البوركيني» لشن حملة سياسية ضد المسلمين وتشارك في ذلك رئيس الوزراء الاشتراكي مانويل فالس، والمرشح اليميني لرئاسة الجمهورية نيكولا ساركوزي، وزعيمة حزب «الجبهة الوطنية» العنصري جان ماري لوبان، رغم سخرية الصحافة الأجنبية الحادة من المؤسسة الفرنسية، وثبوت أن قرار البلديات الشائن يصعّد التطرّف بدل محاربته، وصدور قرار قضائي بالأمر، فإن الحرب على المسلمين من خلال طرق لبس نسائهم وثقافتهم وعقائدهم ستستمر ما دامت مجزية في صناديق الانتخاب بغض النظر عن أضرارها المؤكدة على المجتمع الفرنسي.
وفي العراق يجيء خبر خطف حزب العمال الكردستاني للنساء الإيزيديات، إسوة بنظيره في الإرهاب ونقيضه الافتراضي في الأيديولوجيا تنظيم «الدولة الإسلامية»، ليكسر بضربة واحدة مجموعة من الأساطير التي اشتغل عليها الحزب عشرات السنين، ومنها إظهاره المستمر لنساء جميلات ممتشقات السلاح تحت رايته، وهذه البروباغاندا رغم سذاجتها لا تني تجد قبولاً وطلباً من الصحافة الغربية المشغولة بدورها في تأبيد أساطيرها عن التخلف الإسلامي بحيث يغدو نزع الحجاب قمة التقدم، بغض النظر عن باقي الممارسات، ومنها ما قرأناه من «بي كا كا» عن خطف الإيزيديات لتطويعهن لخدمة الحزب الماركسي ورجاله، كما فعل رجال أبو بكر البغدادي بسباياه المظلومات تحت اسم الإسلام.
أما في مصر فمن المخيف أن هذه العادة الفرعونية الكريهة في ختان الإناث لا تزال تحصد ضحاياها بنسبة تزيد عن 90٪ من عدد الإناث في مصر، وهي نسبة مرعبة حقّاً ويحتاج تفسيرها إلى تحليل أعمق من نسبتها إلى فشل الدولة الوطنية الحديثة، ولكن ذلك لا يعني إخلاء هذه الدولة من المسؤولية، فاضطهاد جسد المرأة بهذا الشكل الاستئصالي هو حلقة أولى وأساسية في آليّة الاضطهاد الكبرى التي يخضع لها المجتمع والتي قد تفسّر كيف تعاملت الدولة ونخبها مع حدث قتل مئات الأشخاص بدم بارد في ساحة «رابعة» ثم اغتصاب السلطة من دون أن ترمش عين الغاصب، فالمجتمع الذي يتقبل أن يحرم إناثه من شأن طبيعيّ زوّده الله لكافّة مخلوقاته قابل لقبول القتل الجماعيّ واغتصاب السلطة قهراً واعتبارهما أمراً طبيعيا، رغم أن الله في محكم تنزيله اعتبر قتل شخص واحد قتلاً للناس جميعاً.
وهذا قد يوصلنا إلى نتيجة مؤسفة وهي أن جسد المرأة هو المركز الذي يتحالف فيه جبروت القوّة السياسيّة مع جبروت القوة الذكوريّة، وهي قضية معقدة يصعب رؤيتها لاختلاط أوراقها ولأن المظلومين (وبينهن نساء) يتحالفون فيها أحيانا مع الظالمين، ضد النساء، كما أن نساء، مثل جان ماري لوبان، يستخدمنها ضد بنات جنسهن وضد عنصر ودين وثقافات أخرى معاً.

رأي القدس



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا