>

العرب وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

رأي القدس

في رسالة أرسلها المعسكر المؤيد لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي وتلقاها البريطانيون بالبريد تظهر الخريطة الأوروبية موحّدة وبدون أسماء دولها باستثناء بعض البلدان الصغيرة كالجبل الأسود (مونتينيغرو) وألبانيا وبقية البلدان الجديدة المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، وفي الجانب الآسيوي تظهر ثلاث دول فقط مع أسمائها: تركيّا وسوريا والعراق، مع تخصيص سوريا والعراق باللون الأحمر.
الرسالة الضمنية في الخريطة واضحة: إذا بقيتم، أيها البريطانيون، في الاتحاد الأوروبي فسوف يتعيّن عليكم قبول انضمام تركيا (البلد ذي الأغلبية المسلمة) والتي تجاور بلدين صارا عنواناً لفزّاعة القرن الواحد والعشرين (تنظيم «الدولة الإسلامية»)، وأصبحا مركزاً لتصدير عمليات الإرهاب، وعلامة على صعود الاستبداد الوحشيّ إلى أعلى درجاته، إضافة إلى الطائفية والصراع الإقليمي والعالمي والفساد المالي والفوضى بكل أشكالها.
الرسائل الأخرى التي استخدمها معسكر بوريس جونسون (من حزب المحافظين) ونايجل فراج (من حزب «الاستقلال») وغيرهما من قادة وأنصار الأحزاب اليمينية ورديفاتها العنصرية (مثل «بريطانيا أولا» و«الجبهة الوطنية» و«الحزب الديمقراطي») تضمنت اعتبار عضويّة بلادهم في الاتحاد شكلاً من الغزو النازيّ، وتسليماً للسيادة إلى موظفين أوروبيين مترفين يقيمون في بروكسل، وسرقة للخزينة البريطانية. أما دعايات الاستفتاء المذكور فحوّلت المهاجرين إلى ما يشبه القطعان الهمجية التي استولت على فرص المواطنين في بيوت البلديات الرخيصة ونهبت أموال التعليم والمدارس والصحة والضمان الاجتماعي وشكّلت خزّانا للإجرام والتخريب والمخدرات والإرهاب.
ينقسم العرب في المملكة المتحدة إلى قسمين بارزين، الأول هم المواطنون الذين قدموا إلى هذا البلد طلاباً أو مهاجرين أو لاجئين وأصبحوا جزءاً من نسيج المجتمع البريطاني، والثاني تمثله الدول العربية الغنية ورجال الأعمال الكبار، ولاستثماراتهم دور مهم في الاقتصاد البريطاني، وخصوصاً في قطاع العقارات وسندات الخزينة والأسهم، حيث يبلغ استثمار قطر والكويت والسعودية قرابة 67.5 مليار جنيه إسترليني.
وفي حال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فسيدخل الاقتصاد البريطاني مرحلة من الاهتزاز وعدم اليقين ستنعكس بالتأكيد على هذه الاستثمارات الضخمة، من جهة، كما سيتأثر بها العرب المقيمون، على المدى القصير، بسبب الصدمة التي سيتعرّض لها الوضع الاقتصادي، وعلى المدى البعيد بسبب الارتدادات السياسية والاجتماعية الممكنة على بريطانيا، نتيجة الاستقطاب الكبير الناتج، وارتفاع مدّ اليمين البريطاني مما قد يعني انتخابات بريطانية جديدة ومحاولة بوريس جونسون والزعماء المؤيدين للانفصال قطف مكاسب الاستفتاء.
الاحتمال الكبير الآخر هو أن المدّ اليميني ـ الانفصالي البريطاني سيستدعي بدوره صعود أصوات انفصال اسكتلندا من جديد واحتمال طلبها الانضمام، وحدها، إلى الاتحاد الأوروبي، وبذلك تنقلب مغامرة الانفصاليين ـ وبعضهم كان رافضاً لانفصال اسكتلندا عن بريطانيا ومتحمسا لتفكيك الاتحاد الأوروبي نفسه ـ عليهم وتكون النتيجة هي تفكك المملكة المتحدة وليس أوروبا!
لا يعدم المرء أن يجد عرباً انجرفوا، لأسباب مختلفة، لدعايات المعسكر المؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي، واصطفّوا بالتالي مع معسكر لا يكفّ عن احتقار العرب والمسلمين والمهاجرين عموما. معسكر جعل من قضية انضمام تركيّا إلى الاتحاد الأوروبي أشبه باستعادة لذكريات الحروب الصليبية، أو لسقوط القسطنطينية وحصار فيينا، وفي ذلك ما فيه من إحياء لغرائز الصراع الدينيّ الذي يتنافى مع مبادئ الديمقراطية والمدنية الحديثة وكل مبادئ حقوق الانسان التي ألزمت الدول الغربية أنفسها بها وجعلتها مقياساً تقيس به درجات الحضارة والرقيّ في المجتمعات الأخرى.
الخلاصة إن سبل التحليل كلها تؤدي إلى الاستنتاج إن مصالح العرب، دولاً مستثمرة كانت أم مواطنين بريطانيين من أصل عربي، هي في بقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي، وأن نجاح معسكر الانفصال سيؤدي إلى نتائج سلبيّة تصيب العرب والمسلمين في كل مكان.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا