>

العراق: الاحتجاجات ومآلاتها - يحيى الكبيسي

العراق: الاحتجاجات ومآلاتها
يحيى الكبيسي
Aug 03, 2018

انتهينا في مقال سابق إلى ان حركة الاحتجاجات التي انطلقت منذ أسابيع، وانتشارها السريع في الجغرافيا الشيعية، أي في المناطق التي يستمد النظام السياسي العراقي المحتكر شيعيا زخمه وشرعيته منها، سيفرض على القوى الشيعية كافة مراجعة شاملة لخطابها وسياساتها إذا ما أرادت استعادة ثقة الجمهور مرة اخرى. فضلا عن ان طبيعة الفئات العمرية للمحتجين، وحجم الغضب، ستفرض على الجميع تغيير السياسات الزبائنية التي اعتمدت في العراق بعد العام 2003، والعمل على التعاطي بجدية مع بنية الفساد المستحكمة، وإلا فان الغضب في المرة القادمة لن يقف عند حدود الخدمات.
وكانت الاستجابة الأهم، والاكثر تأثيرا في الجمهور، وفي المشهد ككل، هي استجابة مرجعية السيد علي السيستاني، فبعد التأييد الصريح للمحتجين ومطالبهم في الاسبوع الأول لحركة الاحتجاج، عبر اعلان «التضامن مع المواطنين في مطالبهم الحقة» ومطالبتها بالتعامل بجدية وواقعية معها. وجدنا اتهاما صريحا غير مسبوق للحكومة «بالتقصير الواضح» في «تحسين الأوضاع وتقديم الخدمات على الرغم من وفرة الامكانات المالية»، لأنها لم تحسن «توظيفها»، ولم تعتمد على «أهل الخبرة والاختصاص»، ولأنها لم تدر مؤسسات الدولة «بصورة مهنية بعيدا عن المحاصصات والمحسوبية»، ولأنها لم تقف «بوجه الفساد»، وصولا إلى وصف الوضع القائم بالمأساوي! وجاء اغفال المرجعية في الجمعة اللاحقة، خاصة بعد تصاعد طبيعة المطالب، بمثابة أحجية بالنسبة للجميع، فالبعض فسرها بانها تراجع في موقف المرجعية في دعم حركة الاحتجاج، والبعض الآخر فسرها بانها محاولة منها بالنأي بنفسها عن ان تكون في إطار أي استقطاب، فيما فسرها آخرون بانها دعم لموقف الحكومة وإجراءاتها! ولكن الجمعة الثالثة حسمت الأمر، فقد كنا هذه المرة أمام موقف واضح؛ وهو الوقوف إلى جانب الأطر الدستورية والقانونية المتعلقة بتشكيل الحكومة، وذلك من خلال المطالبة بتشكيل الحكومة «في أقرب وقت ممكن على أسس صحيحة»، من خلال «كفاءات فاعلة ونزيهة»، وأن يتحمل رئيسها «كامل المسؤولية عن أداء حكومته ويكون حازما وقويا ويتسم بالشجاعة الكافية في مكافحة الفساد المالي والاداري». كما كنا امام موقف واضح بان من حق الشعب «تطوير أساليبه الاحتجاجية السلمية لفرض إرادته على المسؤولين» في حال عدم تنفيذ الحكومة «المقبلة» لمطالبه! أي ان السيد السيستاني وضع حدا للمطالبات التي كانت تدعو إلى إجراءات بعيدة عن الأطر الدستورية والقانونية فيما يتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة من جهة، كما انه وضع جملة من المبادئ العامة التي يجب ان تحكم تسمية رئيس مجلس الوزراء القادم وحكومته من جهة ثانية، وأخيرا منح الشرعية الكاملة لحركة الاحتجاج السلمية، بل ومطالبتها بتطوير أساليبها من أجل فرض إرادتها من جهة ثالثة.
على المستوى السياسي، وبعد العجز الحكومي الصريح عن تنفيذ أي من مطالب المحتجين، بدا واضحا ان الجميع يريد الاستثمار في هذه الاحتجاجات. هكذا وجدنا القوى السياسية الشيعية المختلفة التي احتكرت التمثيل السياسي الشيعي في مرحلة ما بعد 2003، وهيمنت على الحكومات المختلفة، وبعد ان فشلت في شيطنة هذه الاحتجاجات، تتسابق من أجل حمل لواء مطالب المحتجين، والمطالبة بتنفيذ مطالبهم «العادلة»، بل والمزايدة على مطالب الجمهور نفسه! كما بدأت سياسات «الاعتراف» تتوالى، ولكن عبر اعترافات عبثية بالأخطاء التي ارتكبت، من دون تحمل أي تبعات لهذا الفشل، بل مطالبة الجمهور بقبول الاعتذار وحسب! وكان من اللافت في هذا السياق الغموض الذي حكم أداء السيد مقتدى الصدر، الذي شكل دعمه لحركة الاحتجاج في العام 2016 قوة دفع كبيرة حينها، والذي شكل مع المحتجين أنفسهم من شيوعيين ويساريين وليبراليين قائمته الانتخابية «سائرون» التي حازت على المركز الاول في الانتخابات الأخيرة. فباستثناء بعض البيانات والتغريدات الداعمة لحركة الاحتجاج، بدا واضحا أنه ليس هناك قرار صريح بالمشاركة الفاعلة فيها! ربما لشعور السيد مقتدى الصدر أن مثل هذه المشاركة، ستعقد موقفه وقدرته على الحركة في مفاوضات تشكيل الحكومة القادمة التي يطمحون ان يكونوا نواتها الرئيسية.
على مستوى الجمهور، ما زالت أعداد المشاركين في حركة الاحتجاج محدودة إلى حد كبير، على الرغم من اتساعها جغرافيا لتشمل الجغرافيا الشيعية بالكامل تقريبا، ولكن بدا واضحا أن ثمة تعاطفا كبيرا معها. الملاحظة الثانية أن حركة الاحتجاجات فشلت في توحيد مواقفها، من خلال تكريس جهويتها بطريقة غير مسبوقة، تحديدا في محافظة البصرة، التي شهدت الشرارة الاولى للاحتجاجات. ويبقى من الصعب تحديد المسار الذي ستسلكه حركة الاحتجاج في الأيام والأسابيع القادمة، فهل سنكون في إطار تصعيد في حركة الاحتجاج باتجاه الاعتصامات المفتوحة، وربما مهاجمة بعض الاهداف الحيوية، مثل شركات النفط او المطارات، بشكل خاص في البصرة؟ ام أنها ستخفت تدريجيا، بانتظار تشكيل الحكومة المقبلة وما يمكن ان تحمله معها؟
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا، هو حجم التأثير الذي شكلته، وستشكله حركة الاحتجاج على مفاوضات تشكيل الحكومة، والأهم على الآليات التي تحكم تشكيل هذه الحكومة. فبعيدا عن التنازع القائم في المشهد السياسي العراقي بين دعاة الحكومة الجامعة، التي يضم الجميع من جهة، وبين دعاة الحكومة «الائتلافية» التي تشكل الكتلة الأكبر، مع ذهاب الآخرين إلى المعارضة. ليست ثمة مؤشرات على وجود إرادة حقيقية لاعتماد آليات مختلفة عن تلك التي حكمت تشكيل الحكومات السابقة، في ظل عدم وجود أية إرادة للبحث في الأسباب الجوهرية التي أفضت إلى فشل الدولة نفسها! فالجميع يتحدث عن مواصفات رئيس مجلس الوزراء المفترض، والجميع يتحدث طبيعة الوزراء الذين سيشكلون الحكومة القادمة، وكان الامر يتعلق بالأفراد وليس بالنظام السياسي نفسه، او بالآليات التي حكمت بناء الدولة نفسها! على سبيل المثال لا الحصر لا أحد يبحث في الأسباب التي أدت إلى تحييد دور مجلس الوزراء، صاحب الصلاحية الحصرية بموجب الدستور، وتغول دور رئيس مجلس الوزراء التي لا يمنحه الدستور أية سلطة منفردا! ولا أحد يبحث في الأسباب التي جعلت رئيس مجلس الوزراء يحتكر القرار العسكري والامني بالكامل! ولا أحد يبحث في الأسباب التي أدت إلى فشل مجلس النواب في القيام بدورة الرقابي، او إلى الأسباب التي أدت إلى فشل مؤسسات الدولة في القيام بواجباتها. هكذا وجدنا رئيس مجلس الوزراء يتخذ جملة من القرارات غير الدستورية وغير القانونية في إطار محاولته «الإصلاحية» المفترضة استجابة لحركة الاحتجاج الأخيرة، من دون أن تعترض أي سلطة من سلطات الدولة على ذلك!
في النهاية ما لم يتم الاعتراف بأن ثمة أزمة جوهرية في النظام السياسي نفسه، وان ثمة ضرورة لإعادة هيكلة هذا النظام الذي فشل بالكامل، سنبقى في إطار تدوير الازمات التقليدي ليس إلا.

٭ كاتب عراقي



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا