>

ألغاز إسطنبول: لماذا لا يعلن تنظيم «الدولة» مسؤوليته؟

رأي القدس

يقترح تقرير تنشره «القدس العربي» اليوم أن العمليات الانتحارية التي جرت الثلاثاء الماضي في مطار أتاتورك الدولي بمدينة إسطنبول التركية قامت بها عناصر تابعة لمجموعات جهادية من الشيشان وجمهوريات وسط آسيا.
الغريب، بحسب مصادر التقرير، أن هذه المجموعات لا تنتمي إلى تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهو الطرف الذي رجّحت أجهزة الأمن التركيّة مسؤوليته عن الهجمات.
تأكيد السلطات التركية أن الانتحاريين الثلاثة هم روسيّ وأوزبكي وقرغيزي يعطي دلالة للوسط الجغرافيّ المنسوبة إليه الهجمات، كما يشير تصريحها أنهم «يدورون على الأرجح في فلك تنظيم الدولة الإسلامية» أنها غير قادرة على تأكيد مسؤولية التنظيم المذكور.
الخارجية الأمريكية دفعت بهذا الاتجاه من التحليل عندما قال الناطق باسمها مارك تونر إنها لا تستطيع تأكيد أن تنظيم «الدولة» مسؤول عن هذا الهجوم، وبرّرت الخارجية إصدارها تحذيراً من سفر الأمريكيين إلى تركيّا قبل يوم واحد من العملية مصادفة.
السؤال الأول الذي يخطر في البال هو: لماذا تتحمّل جهات لم تبايع تنظيم «الدولة» مخاطر المهمة الجسيمة لمواجهة الدولة التركيّة في حين أن التنظيم نفــســه، الذي انطبعت بصماته على العمليّات الأربع السابقة التي جرت على الـــحــدود التركيّة وأنقرة (ضد أكراد) وساحة تقسيم وجامع السلطان أحمد (ضد سيّاح أجانب)، لم يتجرّأ على إعلان مسؤوليته عن تلك العمليات؟
والسؤال الثاني هو ما الذي يدفع هذه المجموعات التي قادها نداء «الجهاد» من مواطنها القصيّة (وهي مناطق الشعوب التركية الأصلية كالآذر والكازاخ والتتار والقرغيز والتركمان والأويغور والأوزبك التي ظهر منها العثمانيون وانطلقوا نحو الأناضول المسماة اليوم تركيا) في روسيا وأواسط آسيا إلى سوريا، إلى توجيه هجماتهم إلى تركيّا؟
تكشف الهجمات التي جرت في مطار أتاتورك عن «اجتهاد» جديد في رؤية العناصر التي تنفّذ هذه الهجمات للعلاقة مع تركيا فبعد استهداف الأكراد سابقاً، وهو أمر دفع بعض الأكراد والصحافيين العالميين لاعتبار «الدولة العميقة» التركيّة متورّطة في الأمر، صار واضحاً أن خط العمليّات الإرهابية انصرف عن محاربة الأكراد وانهمك بإيقاع أكبر عدد من القتلى بين المدنيين والأجانب في المناطق السياحيّة، وهو تكتيك لا يستهدف عقاب السلطات التركيّة فحسب بل كذلك الشعب التركي أيضاً.
المنطق الأوّليّ الذي يفسّر هذا العنف الفادح هو شعور هذه الجهات بالخيانة، وتظهر جنسيّات منفّذي العمليّة الأخيرة القرابة الإثنيّة واللغوية التي تجمعهم بتركيّا وهو ما يؤجّج الحسّ الانتقاميّ ويفعّل غدر «القريب» بقريبه.
العمليّات الانتحاريّة، بهذا المعنى المذكور، هي شكل من أشكال الحرب الأهليّة بين أطراف تجمعها العصبيّة الدينية (لا ننسى أن تركيّا يحكمها حزب محسوب على ما يسمّى «الإسلام السياسي») والقوميّة واللغوية.
ويأتي التقارب الذي تشهده أنقرة مع روسيا (وكذلك مع إسرائيل والاتحاد الأوروبي) ليضيف ملحاً على جرح إحساس هذه المجموعات الجهادية بالخيانة ويفسّر، من جهة أخرى، هذه الحالة «العاطفيّة» الكبرى التي شهدناها في العواصم الغربية المتأثرة بالوجع التركيّ، وهو أمر لم يسبق أن حصل بهذه الطريقة في كل العمليّات الأخرى التي سبقت.
خلال فترة «الحياد» النسبيّ المفترضة مع تنظيم «الدولة» نجت تركيّا من مخاطر العمليّات الإرهابية لكنّها تعرّضت لضغوط هائلة من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربيّة، وبعد انغماسها في «التحالف الدوليّ» وإعادة تطبيع علاقاتها مع روسيا وإيران وإسرائيل انهمرت عليها الهجمات الدمويّة.
هل تستطيع تركيّا الصمود أمام هاتين المطحنتين؟



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا