>

«فرنسا الجديدة»… حتى لا تكسب الحرب وتخسر نفسها - رأي القدس

«فرنسا الجديدة»… حتى لا تكسب الحرب وتخسر نفسها
رأي القدس


كانت اياما تاريخية عصيبة تلك التي عرفتها اوروبا منذ الثالث عشر من الشهر الجاري عندما نامت «مدينة النور» رهينة للظلام والرعب والمجهول. وعندما استيقظت كانت الخسائر في حقيقتها اكبر واعمق كثيرا من ارقام الضحايا على فداحتها. ايام لن تكون فرنسا او اوروبا بعدها ابدا كما كانت قبلها. نعم كان الجميع في الماضي يدرك ان الخطر قائم والتهديد مستمر، لكن هذا لم يهون ابدا من حجم الصدمة. إنها المرة الاولى التي تشعر فيها اوروبا انها مستهدفة في قيمها ووجودها ذاته، وانها اصبحت امام اختيار بالغ القسوة بين الامن والحريات.
كان وجه الرئيس الفرنسي الممتقع في صباح المجزرة مرآة حية تعكس وقع هذا الاختبار الكارثي، بالتوازي مع مشاعر الغضب والحزن والقلق. وكانت المشاعر نفسها طاغية في كل بلد اوروبي يعرف انه قد يكون التالي في قائمة ضحايا الإرهاب.
ولولا هذا «الزلزال» الذي ضرب روح فرنسا وقلبها، ما كان أولاند ليتحدث عن تعديل للدستور، وفرض للطوارئ على كامل الاراضي الفرنسية، واغلاق للحدود، ثم توسيع الاجراءات لتشمل منح الاجهزة الامنية كامل الصلاحيات لشن مداهمات للبيوت دون اذن قضائي، وفرض الاقامة الجبرية على العائدين من سوريا، وتعزيز قوات الشرطة والدرك باللجوء إلى التجنيد، وخلق 8 آلاف وظيفة جديدة في الجمارك، كما قال في خطابه امام رؤساء البلديات الفرنسية امس.
وسيقضي قانون حالة الطوارئ الذي تم تقديمه امس للبرلمان بحل الأماكن والمجموعات «التي تشجع الإرهاب»، في اشارة واضحة إلى بعض المساجد والائمة، ونزع الجنسية او امتيازات اللجوء عن المتورطين في الإرهاب بأي شكل كان.
وأكد أولاند انه «إذا شجع بعض الأشخاص الأعمال الإرهابية في بعض الأماكن وضمن جمعيات وتجمعات فإن مشروع القانون الذي عرض صباحا ينص على حلها. وسيتم ذلك على الفور» بعد صدور القانون.
بل ذهب إلى القول ان التعديل الدستوري المقترح يهدف إلى خلق اطار قانوني متين يسمح بمواجهة استثنائية للإرهاب بما في ذلك اعلان «حالة الحصار» التي تتيح نقل السلطات المدنية إلى المؤسسة العسكرية.
وبالنسبة لقضية اللاجئين شدد على ان فرنسا لن تتراجع عن استقبال حصتها المقررة وهي ثلاثون الف سوري، لكن هذا يمكن ان يحصل فقط بعد ان «تتأكد الاجهزة الامنية تماما انهم لايمثلون اي خطر أمني».
انها لحظة استثنائية في تاريخ فرنسا واوروبا، لم يكن تصورها ممكنا قبل ايام قليلة.
من كان يصدق ان تتخذ هكذا اجراءات صارمة بهذه السهولة في القلعة التاريخية للحرية والاخاء والمساواة دون سماع اصوات تحذر من خلق اجواء تسمح بانتهاكات حقوقية؟ وفي المقابل هل يستطيع احد ان يلوم الفرنسيين او غيرهم عندما يختارون الحق الغريزي في الحياة وحفظ النفس على ما سواه؟
ولكن من الذي سيقرر ما هو «التشجيع على التطرف»؟ وما الذي يضمن ان الاعتقالات والمداهمات التي شملت المئات من المسلمين خلال الأيام الماضية تمت بالاستناد إلى ادلة حقيقية وليس مجرد «توسيع لدائرة الاشتباه» في ظل غياب شبكة الأمان التي توفرها القوانين الطبيعية؟
والأهم، هل يكفي القضاء على تنظيم «الدولة» من جهة وجوده العسكري في سوريا والعراق لتصفية الخلايا الإرهابية في اوروبا وغيرها؟ وهل تستطيع اقوى الجيوش واجهزة الاستخبارات انهاء الايديولوجيا التي تجعل فتاة تفجر نفسها، كما حدث في هجوم الشرطة على شقة في حي «سان دوني» الباريسي امس، في سابقة لم تعرفها اوروبا من قبل، تكشف مدى تغلغل الفكر الإرهابي فيها؟
الواقع ان «فرنسا الجديدة» اذ تتجه إلى تحالف جديد مع قوة عظمى مثل روسيا، يتجاوز التنافس والانقسام السياسي الحالي في محاربة الإرهاب، قد يتمكن حقا عبر ترسانته الساحقة من تدمير تنظيم «الدولة « الإرهابي عسكريا، الا ان مواجهة الايديولوجيا والفكر الإرهابي تحتاج إلى حرب اضافية لكن من نوع آخر.
الحرب الناجعة حقا يجب ان تستخدم كافة الأسلحة الملائمة لتحقيق الاهداف وان تلتزم معايير صارمة ومحددة دائما لتنتهي بالانتصار. وهكذا يجب ان تكون الاصلاحات الاجتماعية والسياسية والدينية بعض اشكال هذه الحرب. اما الخطر الاكبر الذي تواجهه اوروبا فهو الا تجد صعوبة تذكر في أن تكسب الحرب العسكرية على الإرهاب بينما تضحي بروحها وقيمها، فتخسر نفسها في النهاية.

رأي القدس



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا