>

هل يصلح نموذج «بريكست» لانفصال كردستان؟ - د.نيفين مسعد

هل يصلح نموذج «بريكست» لانفصال كردستان؟
د.نيفين مسعد

لم يكف السيد مسعود برزانى سواء قبل استفتاء ٢٥ سبتمبر أو بعده عن تأكيد أن باب المفاوضات مفتوح مع بغداد حول المشاكل العالقة بين الجانبين ، وفِى آخر تصريحاته فى هذا الخصوص قال «نطمئن المجتمع الدولى إلى أننا مستعدون لبدء مفاوضات جادة لحل المشكلات مع بغداد سلما» . مثل هذه التصريحات التى تعد بعملية تفاوضية سلسة حول القضايا الخلافية بين بغداد وأربيل تعطيك الانطباع بأن المفاوضات المعنية هى نوع من «البريكست» أو فى هذه الحالة «كُرْديكست» بمعنى الخروج الكردى من العراق على شاكلة الخروج البريطانى من الاتحاد الأوروبى .

المقارنة تبدو لأول وهلة غريبة فالحالتان مختلفتان بالكلية ، فكردستان هو إقليم من أقاليم دولة العراق الفيدرالية فيما بريطانيا هى دولة كبرى فى كيان اتحادى ضخم يضم ٢٨ دولة فما وجه الشبه إذن ؟ وجه الشبه منبعه العملية التفاوضية التى يُعول برزانى عليها لإنجاز انفصال كردى آمن كما يُفترض أن تؤّمِن المفاوضات بين بريطانيا ودول الاتحاد انفصالا آمنا إعمالا لنص المادة ٥٠ من معاهدة لشبونة. الانفصال البريطانى نفسه دونه العديد من العقبات تتعلق بجملة المصالح المتشابكة بين الطرفين، وبتعقيدات مراحل الانفصال وصعوباتها الإجرائية ، وبصعود اليمين الأوروبى والتعقيدات التى يضيفها للمشهد برمته ، فهل يكون من السهل القول « باى باى عراق» كما غنّى الأكراد بحماسة فى يوم الاستفتاء وهم مفعمون بالشعور القومى ومتوحدون مع علم الشمس الساطعة؟

مبدئيا المفاوضات مثل رقصة التانجو لا تتم إلا بين طرفين ، فإذا كان رئيس الوزراء العراقى قد أعلن أنه لا تفاوض بعد الاستفتاء وأنه «لابد من إلغاء الاستفتاء والدخول فى حوار تحت سقف الدستور» فمن الذى سيتفاوض برزانى معه إذن وإن يكن مسلحا بالتأييد الشعبى الكاسح للانفصال ؟ هذه واحدة . المسألة الثانية أن وظيفة « الاستفتاء « نفسها كما تعرضت لها القيادات الكردية ليست ذات طبيعة واحدة ، فلقد وصف برزانى الاستفتاء فى وقت مبكّر بأنه « غير ملزم» ، وهذه الصفة إن جرت على لسان السيد حيدر العبادى تكون مفهومة استنادا لعدم دستورية الاستفتاء، أما أن يقول بها الداعى للاستفتاء فإنها تكون مربكة لأنها قد تعنى أن الاستفتاء لن يرتب الانفصال بالضرورة وأن وظيفة هذا الاستفتاء هى مجرد ورقة للضغط على بغداد . لاحقا ذكر برزانى أن الاستفتاء يعطيه الصفة الشرعية للحديث باسم شعبه فى مفاوضات الانفصال أو الاستقلال كما يسميه ، وهنا نجده سمّى الأشياء بمسمياتها أى أنه بطل شعبى يحلم بالدولة القومية ويريد أن يستوثق من الدعم الكردى لخطواته . وفِى الحديث الذى أدلى به هوشيار زيبارى السياسى الكردى المخضرم على فضائية البى بى سى قبل أيام جاء إن الاستفتاء لا يعنى «أوتوماتيكيا إعلان الدولة يوم ٢٦ سبتمبر» ــ وهذا مفهوم ــ لكنه أضاف أن الأمر معقد لأنه يتعلق ببناء مقومات الدولة وبناء وضع أمنى وسياسى واقتصادى يأخذ سنوات ، وهنا فإن السؤال الذى يطرح نفسه يكون التالى: على ماذا صوت الأكراد إذن إن لم تكن لإقليمهم مقومات الدولة ولا شروط قيامها ؟ مرة أخرى تبرز وظيفة الاستفتاء كورقة للمساومة والضغط. المسألة الثالثة أن أربيل استبقت التفاوض على مصير المناطق المتنازع عليها وعلى رأسها كركوك و قامت بشمولها بعملية الاستفتاء، صحيح أن كركوك كانت تخضع قبل ٢٥ سبتمبر لسلطة الأكراد إلا أن إلحاقها جغرافيا بدولة «كردستان» المزمعة قضية أخرى تماما، فهذا يعنى أن تتحول كركوك من موضوع للتفاوض بين بغداد وأربيل إلى ورقة للضغط بيد أربيل.

كيف سيتعامل الخارج مع الموقفين المتناقضين لبغداد وأربيل من موضوع التفاوض؟ ردود الأفعال التركية والإيرانية تنحاز لجوهر موقف الحكومة المركزية العراقية الرافض للتحاور انطلاقا من نتائج الاستفتاء، وثمة تنسيق بين الدول الثلاث فى إجراءاتها العقابية ضد كردستان - وإن كان تطور الموقف التركى مستقبلا هو الذى سيحدد أكثر من غيره سلوك الإقليم لأسباب اقتصادية وتجارية، وقد هدد أردوغان فى صلف بتجويع كردستان. أما القوى الدولية فإنها حتى الآن تبدو حائرة بين رفضها خطوة الاستفتاء (أو توقيتها) وبين التحذير من نتائج الإجراءات التصعيدية، لكنها لا تطرح البديل ولا تجيب على سؤال: ماذا لو قررت بغداد أن تفرض سيطرتها على المناطق المتنازع عليها خارج كردستان ؟ وبعض تلك القوى يطرح بديلا غامضا كذلك الذى طرحته فرنسا وهو قدر أكبر من الحكم الذاتى للأكراد ومعلوم أن الأكراد تجاوزوا الحكم الذاتى بل والفيدرالية نفسها بكثير .

لقد عقٌد برزانى الأمر على نفسه حين مضى فى الطريق إلى نهايته ، وأظنه بدأ يدرك أنه ضيَّع فرصة التفاوض مع بغداد وقد ظل مدعوا لها حتى ساعات قليلة قبل انطلاق الاستفتاء، فالبيئة الإقليمية والدولية كانت داعمة، والحكومة المركزية كانت مضطرة للتعامل بمرونة مع بعض مطالبه . الآن عليه أن يختار توقيت انتحاره سياسيا : الانتحار فورا بتجميد نتائج الاستفتاء والعودة لما سبق أن ذكره عن أن الاستفتاء غير ملزم، وبالتالى يعرض التفاوض مع بغداد بمعزل عن هذا الاستفتاء ونتائجه ، أو الانتحار بعد حين عندما يتم إحكام الخناق على كردستان من كل جانب ويدرك من أنشدوا «باى باى عراق» أن ليس هكذا تورد الإبل ، ويدرك هو نفسه أن سياسة فرض الأمر الواقع ثم التفاوض عليه ليست بهذه السهولة لأنه باختصار شتان ما بين «البريكست» وبين تفكيك العراق.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا