>

نيويورك تايمز: في دمشق الحرب غيرت كل شيء.. والصمت يخيم مثل غيمة كثيفة

نيويورك تايمز: في دمشق الحرب غيرت كل شيء.. والصمت يخيم مثل غيمة كثيفة


بعد أكثر من ستة أعوام على الحرب في سوريا يعيش ربع السوريين في المنفى ومن بقي منهم في دمشق كما تقول سيموني سينغوبتا يعانون وحدة تظللهم مثل الغيمة القاتمة فوق العاصمة. وفيها الكثيرون الذين يتساءلون عن سبب بقائهم في وقت حزم اصدقاؤهم امتعتهم للمنفى، ماتوا أو اختفوا. أما من جاءوا حديثا لمدينتهم وشردتهم الحرب فيتحركون بحذر ولا يعرفون مع من يتحدثون أو بمن يختلطون. وتشير سينغوبتا في تقريرها الذي نشرته “نيويورك تايمز″ لحالة سفانة البقلة عندما بكت أثناء تدريب على اغنية ” يا محلا العيشة في الدار” حيث تذكرت أنها تعيش وحيدة بدون بيت وأصدقاء الذين جمدوا علاقاتهم معها الفيسبوك بسبب اختلاف المواقف السياسية. وتقول إنها تريد أخذ ابنها للخارج ولكن لا أحد لكي تزوره “لا أحدـ أبدا”. وتحدثت سينغوبتا أنها سافرت إلى سوريا قبل فترة بعد حصولها على تأشيرة كصحافية أمريكية ورافقها في كل تحركاتها مرافق مسجل مع الحكومة بشكل جعل الكثير من الناس يترددون في الحديث معها ومنع عليها الدخول لأجزاء معينة من العاصمة. ومع ذلك لم يكن من الصعب ملاحظة كيف تغيرت دمشق منذ بداية التظاهرات المطالبة بالديمقراطية قبل سبعة أعوام والتي سحقها بشار الأسد وتطورت فيما بعد إلى حرب أهلية شردت السوريين في كل بقاع العالم وحولت بلدهم إلى رقعة شطرنج للدول القوية. وتضيف الكاتبة أن قوات الأسد حققت في الأشهر الأخيرة وبمساعدة إيرانية وروسية عددا من المكاسب ضد الجماعات المعارضة لها مضيفة أن هناك عدد قليل من نقاط التفتيش في دمشق مقارنة مع السابق وتزدحم الشوارع بالمارة في ساعات المساء فيما عادت الطاقة الكهربائية بالكامل ولكن لا يعني غياب أصوات المدافع التي تطلقها قوات الحكومة في بعض المساءات ضد مواقع المقاتلين على أطراف العاصمة وذلك ردا على إطلاق المسلحين النار على الازقة الضيقة في المدينة القديمة. وقبل فترة قتلت القنابل القادمة من مناطق المعارضة رجلا كان يلعب النرد مع جاره. وفي المتنزهات التي تحولت لمأوى للهاربين من مناطقهم يجلس النازحون قرب أكياس البلاستيك والأطفال فيما يراقب جندي كل شيء وكل شخص.

أثرياء الحرب

وعلى أطراف الطرق السريعة ظهرت مطاعم براقة تقدم خدماتها للطبقة الجديدة التي اغتنت بسبب الحرب. وفي منتصف النهار يمكن أن ترى فيها رجالا بالبزات الرياضية وهم يدخنون بصمت النرجيلة وفي المناطق القريبة يبحث الدمشقيون في أكوام بالات الملابس المستعملة لأن أسعار الجديدة ارتفعت فوق طاقتهم. وفي شارع معين قيل لها إن هناك سوق يتم فيه عرض غنائم الحرب من ثلاجات وثريات وأنابيب وهي غنائم تم نهبها من البلدات والقرى التي استعادها الجيش قبل فترة، ولكنها لم تستطع زيارة هذا السوق.

صمت

وفي كل مرة سألت فيها السوريون كيف سيقومون بتوضيح الأحداث التي مرت على البلد خلال السبعة أعوام الماضية لأبنائهم كانت تجابه بصمتهم حتى الذين يحبون الثرثرة منهم، وفي بعض الأحيان هزوا رؤوسهم. ولم تستطع البقلة، 35 عاما والخبيرة بالعزف على القيثارة توضيح سبب بقائها في البلد. وقالت إنها لم تستطع تحمل فكرة العيش كلاجئة تعتمد على الصدقات ولا تمت للمكان بصلة. ولهذا بقيت ودرست الموسيقى وغنت وتطوعت في ملجأ للعناية بالحيوانات- القطط والكلاب التي جرحت نتيجة الحرب وكذلك في ملاجئ الأطفال الذين شوهتهم الحرب. وأطلقت هي وزميلاتها على الفرقة الغنائية “غاردينيا كورس″ حيث اخترن لحفلة الربيع أغان عربية وكردية وشركسية والتي ترتبط اليوم بالدمار في حلب وحماة. وتقول قائدة الفرقة غادة حرب، 43 إنها طريقتهن للحفاظ على الثقافة من الدمار. وتعتبر حرب نفسها محظوظة فهي تملك بيتا ولديها وظيفة وزوجها أعفي من التجنيد بسبب كبر عمره. ولكنها صلت كل يوم لعودة أبناءها سالمين وكرهت اليوم الذي سيتركها فيه أولادها. وغيرت الحرب الطريقة التي كانت تسير فيها بالمدينة. فلو حاولت سيارة بنافذة سوداء تجاوزها كانت تتردد في أن تضغط على زمارة أو الشكوى بصوت عال، فهي لا تعرف من هم في داخلها ولا ردة فعلهم. وفي يوم من الأيام راقبت جنديا عند محطة وقود وهو يقطع حاويات الوقود البلاستيكية بغضب ولم تكن تعرف سبب غضبه. وتضيف أن آثار الحرب ستبقى “ونعمل ونستمر لكن شيئا ما في داخلنا حزين ومحطم فقد تعرضنا للإهانة”. وكانت الكاتبة تجلس مع حرب في مطعم راق حيث قالت:” نحن مثل الغرباء” و “نعيش في نفس المكان ولكننا فقدنا الناس الذين كانوا يعيشون هنا”. وفي الأزقة الضيقة للمدينة القديمة التي يسيطر عليها حزب الله اللبناني الذي دعم الأسد، ملصقات تحمل صورا لقتلى في صفوفه. وبالنسبة للشباب في سن العشرين والثلاثين ممن يتم استدعاؤهم للحرب فهم الفئة التي تحاول الخروج وتجنب الخدمة العسكرية . ولهذا يفضل أصحاب الأعمال تدريب الشابات للعمل في مصالحهم. ولكن أن تظل في البلد هو خيار صعب خاصة لمن شاركوا في الإنتفاضة وشاهدوا العنف والتفجيرات والخطف والحصار الذي فرضته الحكومة الذي شل الحياة وجوع الأطفال في مخيم اليرموك الفلسطيني. لقد حول النزاع العنف إلى أمر اعتيادي. وفي غاليري سامر قزح الذي أنشأه في بيت عائلته التقليدي قبل 23 عاما كان الفنانون الشباب يحضرون إليه كل جمعة لعرض أعمالهم وشرب القهوة. ومنذ الحرب لم يبق أحد منهم. وساعد القزح الكثير من الفنانين بناء أنفسهم في بيروت وفيينا وباريس. ويعلق “أشعر أحيانا مع انني لا اريد وصفها بالكآبة بالملل وأن دماغي يبتلد”. وخرج القزح مع زوجته أولغا ولكنه عاد هذا العام حيث اشتاق للمشي في الازقة ولرائحة البرتقال. وعندما سألته عن المدينة وكيف تغيرت كانت إجابته مثيرة. وفي هذه اللحظة تركت زوجته الساحة حيث كانوا يجلسون قال إن شقيقها اختفى ولم يسمع عنه شيء أما محل المجوهرات الذي يملكه والده فقد نهب بشكل تام. وقال “كل واحد لديه قصة” و”بعضهم مات والبعض فقد بيته. أمشي هنا وأشم الياسمين وأذهب إلى (مقهى) النوفرة وأشرب الشاي. وكل شخص، تغيرت وجوههم، لم يعد أحد كما هو”.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا