>

من كردستان إلى كتالونيا - د.نيفين مسعد

من كردستان إلى كتالونيا
د.نيفين مسعد

بعد غد يحين موعد إجراء الاستفتاء فى كردستان العراق، وفِى الأول من أكتوبر يُفترض أيضا أن يُجرى استفتاء فى إقليم كتالونيا على الانفصال عن إسبانيا. بين الحالتين درجة عالية من التشابه، فالإقليمان الكردستانى والكتالونى لهما ثقافتهما الخاصة بهما ما سوّغ تمتع الأول بالوضع الفيدرالى والثانى بالحكم الذاتى . وهما معا لهما تاريخهما الطويل فى الصراع مع السلطة المركزية فى كلٍ من بغداد ومدريد، لكن إذا كانت كردستان حافظت على وتيرة منتظمة لصراعها مع حكام العراق فإن فترة حكم الجنرال فرانكو لإسبانيا مثلت ذروة التصعيد مع كتالونيا. وهما معا أيضا يتمتعان بموارد اقتصادية تُصوِر لهما إمكانية اتخاذها أساسا لدولة منفصلة، وإن كانت كاتالونيا فى وضع أفضل كثيرا فهى تسهم بنحو 20% من الناتج القومى الإسبانى رغم كونها لا تشغل سوى 6% من مساحة إسبانيا، كما أنها تتمتع بجاذبية سياحية و لها شهرة رياضية واسعة كفلها لها فريق برشلونة لكرة القدم، وهما أخيرا يشتركان فى أنهما قررا بإرادتيهما المنفصلة تنظيم استفتاء على حق تقرير المصير رغم معارضة المركز الشديدة وأيضا دول الجوار وكمثال فإن فرنسا التى لا يفصلها عن كتالونيا سوى جبال البرانس تعارض الاستفتاء ومعلوم أن لها مشكلة مزمنة مع جزيرة كورسيكا الواقعة فى جنوبها الشرقى والتى لم تكف عن المطالبة بالانفصال وتعززت هذه المطالبة أكثر مع فوز الانفصاليين فى انتخابات البرلمان المحلى قبل نحو عامين. حكومة بغداد تترك الباب مفتوحا على كل الاحتمالات، أما حكومة مدريد فإنها تستبق الاستفتاء باعتقال مؤيديه ومصادرة صناديق الاقتراع.

هذه المقدمة تعطى صورة بسيطة عن حُمى الانفصال التى تجتاح العالم والتى يؤدى الاستسلام لها إلى تجزئة كل دولة إلى مجموعة من الكيانات الصغيرة على أسس ثقافية وأحيانا حتى سياسية ــ أولم تطالب ولاية كاليفورنيا بالانفصال عن الولايات المتحدة بعد فوز دونالد ترامب وخرجت فيها مظاهرات حاشدة دعما لهذا الهدف؟ من هنا فإن النغمة التى سادت فى بعض المقالات حول كردستان من أن الأكراد من حقهم الانفصال عن العراق طالما هم يريدون ذلك، وطالما لا يوجد عراق يقدم «مرجعا صالحا يُركن إليه» تفتح الباب لسؤال كبير هو: هل من حق أى جماعة أن تنسلخ عن دولتها متى اختلفت مع المركز وعزمت على الانفصال؟ إن الإجابة بالإيجاب على هذا السؤال من شأنها أن تشيع فوضى عارمة فى النظام الدولى لأن عوامل التجزئة والتشطير لا نهاية لها . من الممكن تفهم ملاحظات الأكراد على النظام السياسى العراقي، وهم على أى حال ليسوا الوحيدين الذين يتحفظون عليه فهناك تحفظات حتى من الجماعة الشيعية دع عنك السنة، ومثل هذا الحراك جدير بدعمه والبناء عليه خاصة أن الانتخابات البرلمانية وشيكة. أما أن يصرح مسعود برزانى بأن «بغداد لا تقبل الشراكة ونحن أيضا لا نقبل بأن نكون خدما لأحد» فهذا تصريح هدفه استفزاز الأكراد ودغدغة مشاعرهم لا أكثر ولا أقل، وذلك لأن العملية السياسية منذ 2003 قامت على ركيزتين أساسيتين هما الشيعة والأكراد، والصيغة الفيدرالية التى أخذ بها الدستور العراقى هى أكثر الصيغ تحيزا لصالح الأقاليم الفيدرالية لكونها حددت حصرا اختصاصات السلطات الاتحادية وجعلت ما عداها من صلاحيات الأقاليم (المادة 115). وأما تغريد هوشيار زيبارى بأن «الرئيس العراقى ــ وهو المنصب الذى احتكره الأكراد- بدون صلاحيات أو powerless تعلى حد تعبيره» فإن هذا له علاقة بمضمون النظام البرلمانى الذى نص عليه الدستور العراقى وليس بظلم واقع على الأكراد فى حد ذاتهم، وباب تعديل الدستور مفتوح.

تبقى ملاحظتان على هامش التطورات المتلاحقة فيما يخص القضية الكردية، الملاحظة الأولى تتعلق بمحاولة الأكراد إسباغ الطابع القانونى على الاستفتاء من خلال عرض الأمر على برلمان كردستان وأخذ موافقته عليه بعد تعطيل متعمد دام عامين، وهذه خطوة تعيد للذاكرة ما فعله صدام حسين قبل أيام قليلة من غزوه الكويت، فبعد أن أعد الرجل عدته للغزو، واتخذ قراره بشأنه قام بطرح الموضوع على المجلس الوطنى العراقى قائلا إن هذه كويتهم وهم أصحاب القرار فيها. مسعود برزانى كرر الشئ نفسه، حدد موعد الاستفتاء ورفض كل عروض تأجيله، وفعّل دور المفوضية العليا للانتخابات، ونظم المؤتمرات الحاشدة لحث الأكراد على المشاركة فى الاستفتاء، وأخذ موافقة كركوك التى تقع خارج دائرة إقليم كردستان ثم... دعا برلمان كردستان للنظر فى أمر الاستفتاء. اعتمد برزانى فى دفاعه عن الاستفتاء على قوة الأمر الواقع أما قوة القانون فلا، فهناك القرار الولائى للمحكمة الاتحادية العليا وهناك رفض البرلمان الاتحادى وهناك الدستور الذى جعل العراق دولة واحدة.

الملاحظة الثانية تخص الدفاع عن علاقة الأكراد بإسرائيل من منطلق أن الدول العربية لها علاقات علانية وسرية معها، وهذه نقطة غاية فى الخطورة والتلبيس أيضا. أولا لأن ليست كل الدول العربية لها علاقة مع إسرائيل. وثانيا لأن الشعوب العربية ظلت عصية على التطبيع مع إسرائيل فلم تنجح كل محاولات اختراقها. وثالثا لأن ما قيل عن طبيعة العلاقات الكردية ـ الإسرائيلية مخيف ويختلف نوعيا عن كل أنماط العلاقات العربية ـ الإسرائيلية ، وتكفى الإشارة فقط لما ورد عن المحاولات الإسرائيلية لشراء أراض فى شمال العراق وتفريغ المنطقة من سكانها العرب مسيحيين ومسلمين، وهذا أمر يتسق تماما مع فكرة إسرائيل الكبرى التى تحكم العقيدة الصهيونية والتى تتوسل لتحقيقها بوسائل أهمها التسلل عبر المناطق الرخوة على أطراف الوطن العربى، وتلك الوسيلة نبّه إليها عالم السياسة الكبير دكتور حامد ربيع من نحو أربعين عاما وأطلق عليها مسمى «سياسة شد الأطراف» لذلك لا عجب أن تتحمس إسرائيل الحماسة بشدة لانفصال كردستان حتى فى ظل تحفظ الولايات المتحدة عليه من باب أن توقيته غير مناسب.

إن عراقنا الحبيب على مفترق طرق ومن واجب كل عربى مخلص أن يسلط الضوء على خطورة مخطط تفكيكه، وأن يؤكد أن سياسات الحكومات قابلة للتغيير والترشيد أما تقسيم الأوطان لا قدر الله فإنه يدوم.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا