>

من ذاكرة الثورة السورية - صافي الياسري

من ذاكرة الثورة السورية
صافي الياسري

لم يكن احد يتوقع ان تتفجر النفوس المضغوطة بالاحتلال الايراني وقمع الدكتاتور بشار الاسد حد الثورة التي عمت اغلب السوريين ،وان تكون الطفولة هي التي تقدح شرارة الثورة الاولى ،لكن هذا هو ما حصل في مد الربيع العربي الزاحف من شمال افريقيا الى الشام ،الربيع العربي الذي عده الملالي في شمال افريقيا من بركات ثورة الدجال المقبور خميني لكنهم في الشام اعتبروه مؤامرة اميركية سعودية صهيونية وما كان ملالي ايران يتوقعون ان الثورة ستمتد لتشمل عموم الاراضي والبلدات السورية وتستمر كل هذه الاعوام على رغم القمع المدمر والبراميل المتفجرة التي دمرت الاف المباني والبيون ودفنت تحتها ابناء الشعب السوري ممن لم يتمكنوا من شد رحال الهجرة وبقي الاخرون واقفين كالسنديان في وجه عاصفة الرباعي الدموي ايران وروسيا والاسد والميليشيات الارهابية .
ومن مدينة درعا جنوب سوريا انطلقت الشرارة الأولى ضد حكم بشار الأسد. لم يكن الطفل معاوية الصياصنة يتجاوز الرابعة عشرة حين كتب على أحد الجدران 'أجاك الدور يا دكتور'.
حدث ذلك في فبراير/شباط 2011 مع اندلاع الانتفاضات الشعبية فيما عرف منذ ذلك الوقت بانتفاضات الربيع العربي، بعد أن رأى العالم نزول الملايين إلى الشوارع في تونس وليبيا ومصر واليمن.
ويروي معاوية رد فعل السلطة آنذاك حين اعتقلت رفاقا له ثم دهمت بيته فجرا واقتادته مغلولا إلى جهة غير معلومة.
** والاطفال ايضا يعتقلون
بقي معاوية رهن الاعتقال 45 يوما ذاق فيها مع رفاقه ويلات التعذيب التي يشرح أبرزها من 'الفروج' والتعذيب بالكهرباء والتعليق.
حين احتج ذوو الأطفال قال لهم مسؤول رفيع 'اذهبوا وأنجبوا غيرهم وإن عجزتم أحضروا نساءكم وسنتولى الأمر'.
معروف عبود كان ناشطا بارزا في المظاهرات يستعيد تلك الأيام قبل التحاقه بصفوف الجيش الحر ويقول إن جموع الجماهير في درعا خرجت في مظاهرات سلمية للمطالبة بعودة أطفالهم، وكان الجميع يهتف 'الشعب والجيش إيد واحدة'، لكن الذي ثبت هو عكس ذلك تماما.
كان يوم الجمعة 22 مارس/آذار 2011 حيث سقط قتيلان على أيدي قوات الأمن، ثم حضرت المروحيات حاملة قوات خاصة، ثم انطلق الرصاص على الحشود التي تشيع القتيلين.
قتل طفل أثناء التشييع وجرح العديدون، ومن نقل منهم إلى المستشفيات كان يلقى القبض عليه، ليتحول المسجد العمري -أقدم مساجد درعا- إلى مركز إسعاف. لكن المسجد جرى اقتحامه في 23 مارس/آذار فقتل سبعة بينهم طبيب.
** الحرب تغير كل شيء
حطمت الحرب أحلام معاوية في دراسة الاقتصاد والتجارة، ثم إنها خطفت والده الذي قتل ويقول إنه فقد بغيابه سنده ورعايته له على نحو خاص بوصفه ابنه الأصغر والمدلل.
غادر الطفل حياته التي رآها تتهاوى أمامه والتحق بالجيش الحر.
لم يكن سهلا على المجتمع أن ينخرط بمحاربة جيش النظام مع الفارق الفادح في موازين القوى، لكن مجموعات صغيرة من الشباب قررت المواجهة بأي ثمن.
سرعان ما بدأ شباب الثورة يستعدون بأسلحة خفيفة ويعتمدون على تصنيع بدائي للقذائف، وسرعان ما بدأ يتشكل مجتمع يعيش الحرب كل لحظة.
لا مدارس واقفة على جدرانها، فما كان من إحدى المعلمات إلا أن انخرطت في جهود حثيثة لجمع ما سلم من أشياء لم تصبها البراميل المتفجرة لتعيد إحياء التدريس بأي طريقة.
أما الأطفال فكانوا يتعلمون أيضا على يد ناشطة أخرى كيف يحافظون على حياتهم عند حدوث الغارات.
** سوريا جديدة
يقول المهندس أبو قصي إنه لا أحد يعيش حياة طبيعية وسط كل هذا القتل، لكنه وهو يقاتل مع الجيش السوري الحر يصر على أن الحرب عليها أن تصل إلى نهاية يبني فيها الشعب سوريا الجديدة.
انتهكت الحرب كل بيوت درعا وساكنيها، وظل معروف عبود يقود 300 مقاتل من كتيبة تابعة للجيش السوري الحر ويواجه بصلابة قوات جيش الأسد مخفيا عن مقاتليه إصابته بالسرطان في مراحله الأخيرة.
نقل عبود في آخر لحظات حياته إلى الأردن، وسرعان ما فاضت روحه فحمله شقيقه عائدا بجثمانه إلى درعا.
أما معاوية فقد تعمقت جراحه بفقدانه أقرب أصدقائه الذي انضم معه في ذلك اليوم إلى الجيش السوري الحر.
هذا ما فعلته الحرب بين الكف والمخرز. انقسم سكان درعا بين قتيل ومصاب وهارب.
ووسط كل هذا القتال والموت استمرت المظاهرات هنا في الجنوب السوري وفي كل المدن والبلدات الأخرى. ما كان الناس يحلمون بغير الحرية والسلام، بينما الحقيقة الوحيدة المؤكدة هي أن سوريا تغيرت.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا