>

معونة أصحاب الفيل الأمريكى .. «هاف بورد» - أنور عبد اللطيف

معونة أصحاب الفيل الأمريكى .. «هاف بورد»
أنور عبد اللطيف

شاب قوى البنية جميل الصورة أسلمه أهله لأحد الغرباء الماكرين الذى تظاهر بالصلاح والتقوى فتبعه فى طريق الغواية حتى أصيب بالداء الأفرنجى ـ الزهرى ـ فاصفر وجهه وارتخت أعصابه، واجتمع حوله الأطباء لتركيب الدواء فنصحوا أهله بالابتعاد عمن كانوا السبب فى الداء!

قرأت هذه القصة البسيطة فى مجلة التنكيت والتبكيت التى كان يحررها فى أثناء الثورة العرابية عبد الله النديم، وأتابع حالة الصدمة المصحوبة بالحزن الرسمى من جهة والشماتة غير الرسمية من جهة أخرى بعد قرار الإدارة الأمريكية (الصديقة) اقتطاع مبلغ 295 مليون دولار من المعونة التى تقدم سنويا لمصر، وأتذكر تاريخ هذه المعونة الذى يمتد 40 سنة حين قدمتها حكومة كارتر لمساعدة مصرعلى تحمل تبعات توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، ويقفز إلى الذاكرة سبتمبر 1981 وحملة اعتقالات نبوى إسماعيل للقبض على كل رموز التيارات المصرية التى رفضت هذه المعاهدة، كان هدف الرئيس السادات إسكات الأصوات حتى تستعيد مصرأرضها، وبعد الرخاء والانطلاق والفرص، تصبح المعاهدة مجرد ورقة يمكن تقطيعها أو تعديلها بشروط المنتصر فى معركة البناء والسلام، وأتذكر السيدة الصعيدية بهية فهمى أبو زيد، التى استوعبت بوعى نكبة 1948 وأن أكبر ضمان للسلام (الأمريكى) سيبقى دائما انكماش مصر المأزومة داخل حدودها، وأكبر ضمان لأمن إسرائيل هو استمرار تفوقها على العرب، وعندما ألفت ابنتها كتابا بعنوان (الصحافة الصهيونية بمصر)عام 1979 أكدت فيه هذه الحقيقة تعرضت للاعتقال ورفضت كل دور النشر طباعة كتابها، باعت الست بهية سوارها الذهبى لطباعة الكتاب على نفقتها، وظلت ابنتها الدكتورة عواطف عبد الرحمن تحذر من التبعية للأجنبى فى أى محاضرة فى تاريخ الصحافة أو فى مناهج البحث اقتناعا بوصية أمها، وكنت أحد طلاب الدكتورة عواطف فى تمهيدى الماجستير، ومللت مصطلح (التبعية للأجنبى) الذى تكرر فى كل محاضراتها لدرجة تخيلته مرضا كالبلهاريسيا أو الكوليرا أو فقر الدم، واخترت أن أبعد عنه فى مشروعاتى البحثية المرتبطة بالعلاقات المصرية الأمريكية وعرضت عليها موضوعا للتسلية عن شعرعبد الله النديم، فصمتت الدكتورة عواطف ثم نظرت إلى الشباك وسرحت فى السقف وقالت: جميل جدا هايل، وتابعت: هناك فترة كان عبد الله النديم يكتب فى جريدة العصر الجديد لسليم نقاش وكانت مقالاته تنشر دون اسم ينبه فيها إلى خطورة الديون كمقدمة للتدخل الأجنبى، وعكفت على دراسة أسلوب صاحب «التنكيت والتبكيت» وتسمرت أمام كتاب (زعماء الإصلاح) لأحمد أمين الذى حدد فيه مسيرة عبد الله النديم، وكيف جاء من العدم ليقود الرأى العام ضد حكومة رياض الاستبدادية وتهتم انجلترا والدولة العثمانية بإسكاته فى كل ما يخط قلمه او تنطق به خطبه..وطالما حذر من الداء الأجنبى واعتماد مصر على المعونات والديون التى فتحت الباب للمراقبة الثنائية وصندوق الدين والاحتلال !

وأشاهد الآن حالة الهلع الرسمى من قطع المعونة والتبرير الأمريكى الجاهز، تدهور ملف مصر فى الديمقراطية وحقوق الإنسان وعمال كوريا الشمالية، التى تواجه حملة غربية حول تجربتها تفجير قنبلة هيدروجينية، وأستعيد زيارة الرئيس لأربع دول إفريقية واستمرار تكثيف لقاءاته مع زعماء القارة، فلا أستبعد توجيه مبلغ 39 مليون دولار التى استقطعت من المعونة التى صارت «هاف بورد» لتوجهها حكومة أصحاب الفيل الجمهورى الى أغراض عالمية اكثر إلحاحا، ربما لتفجير قضية الحدود مع السودان لوقف محاولات مصر حصار التغلغل الإسرائيلى والعبث الاثيوبى بمياه النيل، وربما تسميم نفسية أبناء النوبة.. وكأن المعونة قد تغير هدفها، من حماية السلام بدعم مصر ضد الإرهاب إلى تكريس سيطرة أمريكا على القرار المصرى، وأقرأ قصة المحتاج الجاهل والمرابى الماكر التى كتبها النديم .. ودار بينهما الحوار:

عاوز ميت جنيه بالفرط يا سيدى، فيرد المرابى: فرط المائة ـ أى فائدتها ـ عشرون كل سنة، شيل عشرين من مائة يبقى تقبض سبعين، وفى وسط السنة قدم الفلاح عشر قناطير قطن وعشر أراديب قمح وعشرين من السمسم وتلاتين فول وأربعين شعير وطلب من المرابى دفع تلاتين فرق الحساب، فيستغل المرابى جهله ويحسبها بحيث يطلع الفلاح مدينا بمائتى جنيه وعشرة كالتالى:الباقى كان تسعين وفرطهم عشرين يبقى مية وخمسة عشر وأنت طالب تلاتين يبقى مية وستين ضم عليهم أربعين فرط يبقى الكمبيالة تكتب مئتين وعشرة ونصف، ورغم كل هذا التزوير الذى لا يكتشفه الفلاح يعرض على المرابى: أبيع لك خمسين فدان يبقى لك اثنين جنيه خد بهم جاموسة، وعندما يتدخل النبيه ليعاتب المرابى يرد: الفلاح حمار وأنا اذا كان موش يعمل كدة مش اكون تاجر بنكرجى فى خمس سنين، وهذا حال الذين لايعتمدون على قواهم الذاتية فى التنمية ويصابون بالداء الأفرنجى ويضعون أنفسهم تحت رحمة مساعدات المرابى الأمريكى، لأن ترامب إذا لم يحصل على صفقات تسليح من الخليج وبدل حماية من قطر ودفاع من المانيا وطناش من تركيا وتبعية من مصر فلن يكون تاجر بنكرجى فى نصف السنة الأول من حكمه!



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا