>

محاولة لفهم غير المفهوم!

د. عبدالمنعم سعيد

جزء كبير من الاضطراب السياسى الذى يحدث أحيانا فى مصر مصدره غياب المعلومات الكافية لفهم خطوات أو مشروعات بعينها.
والمعلومات نوعان: التعبير عن حقائق موضوعية، وكلما كان ذلك رقميا أو كميا تصبح المعلومة أكثر وضوحا؛ والمنطق الذى تقوم عليه المعلومات فتصبح نوعا من المعرفة اللازمة للفهم. النوع الأول من المعلومات كثير، فنحن نعرف أن هناك مشروعات خاصة بمنطقة قناة السويس، ولدينا معلومة خاصة بإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة (اقترحت من قبل أن يكون اسمها طيبة) كما أن لدينا معلومة أخرى لبناء مدينة العلمين، وثالثة خاصة بمشروع المليون ونصف مليون فدان، وهكذا معلومات تتعلق بسياستنا الداخلية، والأخرى الخارجية مثل زيارات الرئيس السيسى دولاً فى الخارج، وعقد اجتماعات فردية أو جماعية مع أكثر من رئيس، أو أن يحدث ذلك فى مصر، وتصويت مصر فى مجلس الأمن وهكذا معلومات وموضوعات. التفاصيل كثيرة ويمكن ببعض من البحث العثور على الأرقام المعبرة عنها، ولكن منطقها غائب. وثيقة 2030 المصرية يفترض أنها تقوم بهذا الدور لأنها تضع كل المعلومات المصرية فى أنساق التطور خلال العقد ونصف عقد المقبل. ولكن الوثيقة إما أن أحدا لم يقرأها، أو أنه جرت قراءتها ولكنها مع الزمن تروح فى النسيان. وأن المسئولين نادرا ما يعودون إليها، أو يوضحون علاقة ما يجرى بالوثيقة المستقبلية.

سوف أترك ذلك جانبا وأحاول قراءة ما يجرى فى مصر ليس من منطلق الأزمات التى نواجهها، وهو ما فعلته مرارا وتكرارا فى مقالات سابقة فى «الأهرام» أو غيرها، وإنما من منطلق السياسات العامة. بالطبع يمكن الاتفاق أو الاختلاف مع هذه السياسات، ولكن علينا أن نعرفها أولا، أو نعرف منطقها، حتى لا نتعامل معها بالقطعة. الحقيقة الأولى التى يمكن فهمها مما يجرى هى أن الرئيس السيسى والحكومة المصرية تحاول تحريك الاقتصاد المصرى من خلال حزمة كبيرة من مشروعات البنية الأساسية التى ترفع الطلب على صناعات كثيرة أساسية وتجعل الدولة كلها قابلة للمزيد من الاستثمارات. ما يقال عنه باللغة الإنجليزية Stimulous Package هو وسيلة ذائعة لتحريك اقتصاد أعياه الركود أو الاستنزاف؛ وعندما جرت الأزمة الاقتصادية والمالية الكبرى فى الولايات المتحدة عام 2008 كان الخروج من الأزمة فى عهد أوباما هو تحريك الاقتصاد من خلال حزمة هائلة من مشروعات البنية الأساسية. وخلال الأعوام الثلاثة الماضية أشهد أن ثلاث مدن رئيسية عشت فيها (بوسطن، وواشنطن، وهيوستون) أصبحت الآن غير ما كانت عليه من قبل، ومعها وغيرها نهض الاقتصاد الأمريكى مرة أخري.

الحقيقة الثانية أن مشروعات البنية الأساسية التى شرعنا فيها فضلا عن تحريكها الاقتصاد فإنها تقوم «بتربيط» مصر بين النهر والبحر، والبحر الأحمر والآخر الأبيض، والوادى والصحراء. المساحة المركزية فيها تدور حول قناة السويس، ولكنها لم تعد فقط ممرا مائيا قادرا على المنافسة مع اختيارات أخري، وإنما القيام بدور الجسر بين الدلتا وسيناء من خلال السحارات التى يجرى حفرها وقطعت شوطا كبيرا ظهر أخيرا بشكل أخاذ فى برنامج الأستاذ عمرو أديب. المساحة الجارى تعميرها تأخذ شكل مثلث قمته عند دمياط (القديمة والجديدة) وبور سعيد، وقاعدته عند خط القاهرة إلى العين السخنة (حيث العاصمة الجديدة والتوسع الطبيعى شرقا لمدينة القاهرة الجديدة)، وتشكل القناة على جانبيها شرقا وغربا وفرع دمياط وامتداده فى الدلتا حد المثلث الشرقى والغربي. مدينة العلمين الجديدة، مع مرسى مطروح، توجد محورا تنمويا للساحل الشمالى غرب الإسكندرية وفرع رشيد النهرى وكلها موازية للطريق الدولى على ساحل البحر الأحمر. الجيل الجديد من المدن الجديدة فى الصعيد، مضافا إليها نصيب كبير فى مشروع المليون فدان خاصة فى محافظة المنيا يلتحم شرقا مع المثلث الذهبى بين قنا وسفاجا على البحر الأحمر. وواحة الفرافرة لا تمثل منطقة للتنمية، وإنما هى محور لحياة جديدة فى الوادى الجديد.

الحقيقة الثالثة أن هناك وعيا متزايدا أنه بقدر ما كان النيل محوريا فى بناء الدولة المصرية منذ آلاف السنين؛ فإن البحر الأحمر ( وخلجانه العقبة والسويس) والبحر الأبيض المتوسط تنازعا تاريخ مصر بين المشرق العربى والجزيرة العربية من ناحية، وأوروبا والغرب من ناحية أخري. وبينما كان التأثير المتوسطى غالبا خلال الفترة الليبرالية الملكية فى تاريخ مصر الحديث، فإن الفترة الجمهورية شهدت طغيان الجانب المشرقى على السياسة الخارجية المصرية. ورغم أن علاقات مصر بكل من اليونان وقبرص كانت دوما جيدة، فإن ذلك اقتصر دوما على البعد السياسي. وخلال المرحلة الراهنة ربما لم نشهد من قبل ذلك القدر من اللقاءات بين رئيس مصر وقيادتى اليونان وقبرص حتى بدا أمرا مدهشا ومثيرا للعجب. صحيح أن بزوغ نجم الطاقة غازا ونفطا فى منطقة شرق البحر المتوسط ترتب عليه ترسيم الحدود البحرية مع البلدين، فإن ذلك فتح الباب واسعا لمنطقة للتكامل الإقليمى وسيادة نوعية جديدة من السياسة الإقليمية تكون قاعدة الانطلاق فيها هى مصادر الطاقة ولكنها لن تكون آخرها. وبقدر ما كان الحديد والصلب هو القاعدة التى انطلق منها التعاون الأوروبى ومن التعاون إلى التكامل، فإن الطاقة بما تفرزه من إنتاج واستهلاك وأسواق وتصنيع يعطى لمصر مزايا تنافسية جديدة من حيث إنها أكبر الأسواق المنتجة والمستهلكة معا، فضلا عن موقعها الجغرافى المتميز، وما لديها من قاعدة صناعية للحديد والصلب والسماد وتسييل الغاز. وفى اجتماع القمة الأخير فى القاهرة دار الحديث عما هو أكثر من الطاقة، والنفط والغاز، وأشجار الزيتون.

هل هناك حقائق أخرى تلم ما تبعثر، وتُجْمِل كثرة التفاصيل؟ نعم!.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا