>

مؤتمر جدة: حشد أمريكي بدبلوماسية وقحة… تطلبت «تقيّة عراقية» وهدوءا إيرانيا - مازن صاحب

مؤتمر جدة: حشد أمريكي بدبلوماسية وقحة… تطلبت «تقيّة عراقية» وهدوءا إيرانيا
مازن صاحب
انفض مؤتمر جدة بإجماع عربي – دولي على محاربة تنظيم «داعش» الإرهابي، مما يطرح الكثير من التساؤلات عن المتوقع من تطبيقات أمنيــــة وسياسية تنعكس على حياة المواطن العراقي، وهـــو يواجه يومـــيا الموت المجاني في شوارع العاصمة بغداد، ناهـــيك عن حرب مشتعلة في اكثر من نصف أراضي الوطن، الامر الذي لم يستثن حتى تلك المدن التي توصف عادة بانها آمنة مثل، البصرة وما حل فيها من حوادث مؤخرا. وأي محاولة لتفكيك رموز هذا الحشد الدولي، تتطلب قراءة استراتيجية من زوايا مختلفة، ومراجعة مختلف الدوريات والمقالات التي أوردتها حول هذا النموذج الجديد من حرب الرئيس أوباما، الذي يؤكد انها خطته وليست متابعة لخطة الرئيس بوش الابن، مما يطرح الكثير من الأسئلة التي ربما لا تحمل جميع الإجابات المقنعة.
لعل البداية تتطلب التعريف بالنموذج الذي اعتمدته واشنطن في تسويق حربها على «داعش»، الذي يصفه احد السياسيين العراقيين بانه نموذج للدبلوماسية الوقحة، لاسيما في سياق التعامل الشخصي بين وزير الخارجية جون كيري، خلال زيارته الأخيرة لبغداد، التي كانت معالمها واضحة في كم التصريحات التي صدرت عن شخصيات برلمانية كانت الى وقـــت قريب ترفض أي نوع من التدخل الأمريكي، في الفصل ما بين السياسات العراقية المؤيدة للنفوذ الايراني في العراق، وبين علاقــــات العراق ومصالحه الاستراتيجية مع الدول العربيــة، وعلى الأخص علاقاته مع العربية السعودية، وايجاد قاعدة عمل مشتركة تعيد العراق الى حاضنته العربية.
مثل هذه التصريحات رسمت خلال اليومين الماضيين، خطابا عراقيا أقرب الى الموافقة على التدخل العسكري الغربي بقيادة واشنطن، وفقا للقواعد التي رسمها خطاب الرئيس باراك أوباما، الذي اعلن فيه عن استراتيجيته لمحاربة «داعش» وتحطيم دولتها الاسلاموية، مشددا على موقفه من ايران، واهمية ألا تكون هذه الحرب تصب في نتائجها لصالح الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه، وكلا الامرين كان من القضايا المرفوضة من قبل قيادات عراقية، لاسيما في الأحزاب الشيعية المؤيدة للنفوذ الايراني.
السؤال المطروح، هل آتت الدبلوماسية الأمريكية، التي توصف بأنها وقحة في مخاطبة العراقيين، ثمارها، أم ان هؤلاء الساسة يمارسون ما يعرف بسياسة «التقية»؟
واقع الحال ان الكثير من القيادات العراقية عرفت ان الارتباط العميق مع ايران لن يقدم لهم اي نتائج مرجوة في التعامل مع الأزمات المتوالدة التي يواجهها العراق، والتي انتهت الى ضياع اكثر من ثلثي البلد خارج حدود السيادة الوطنية، وجعل العاصمة بغداد مهددة بغزوها من قبل تنظيم «داعش»، ما جعل المعلقين على صفحات التواصل الاجتماعي يتندرون على حكام «المنطقة الخضراء» بانهم لا يمكن لهم غير فرض صلاحياتهم على هذه المنطقة التي يسيطرون عليها وتوجد فيها مكاتبهم والسفارات الدولية، وابرزها السفارة الأمريكية التي لولا وجودها لكانت منطقة مخترقة من قبل تنظيم «داعش» أيضا.
كل ذلك جعل القيادات الشيعية امام قرار مصيري، وهو ما جعل المرشد الأعلى للثورة الايرانية يستبدل ممثله قاسم سليماني لادارة ملف نفوذه على العــــراق بشخص آخر هو علي همنادي، لتغيير نمط هذه السياسات، وهناك من يرجح ان ايران ستسعى في المرحلة المقبلة الى ممارسة نوع من «النفوذ الناعم» يقوم على فكرة السيطرة على المليشيات الشيعية المندمجة في الحشد الشعبي، لكن هناك من يتوقع ان هذا النفوذ سرعان ما سيستعيد وجوده، بعد تغيير الخارطة الأمنية وظهور نتائج الحرب الدولية على «داعش» ودويلتها الاسلاموية.
السؤال الأبرز الذي يطرح في هذه المرحلة، هو هل تتمكن الدول العربية من استعادة العراق الى حاضنته العروبية، أم ان هناك من يسعى لتكرار الأخطاء التي سبق ان وقعت في التعاطي العربي مع العراق الجديد..؟ أسئلة برسم الانتظار الى ما بعد نتائج الحرب الدولية على «داعش» التي قد تطول لأكثر من 3 أعوام، وهي فواصل زمنية ستؤكد الحقائق على الأرض.
القبول العراقي بمثل هذا النموذج لمقاربة تطبيقات الحشد الامريكي على «داعش»، تطلب نوعا من توزيع الأدوار، والواضح ان الاجتماع الاول لمجلس الوزراء العراقي برئاسة الدكتور حيدر العبادي، مضى في رسم خارطة هذه المشاركة، حينما دعا الى وضع مسودة قانون الحرس الوطني خلال اسبوع، كما تدارس مع القيادات الامنية هذه الخارطة، لتفعيل الاتفاقية الامنية مع الولايات المتحدة، لكن هذه الخطوات يمكن ان تصطدم على الارض بتطبيقات غير منضبطة من بعض فعاليات الحشد الشعبي، بعد ان كررت المرجعية الدينية في النجف الاشرف اهمية ان يكون العلم العراقي وحده ممثلا لها، حتى وصفت بعض تصرفاتهم مع سكان الضلوعية كونها لا تتطابق مع الرغبة بان يكون هذا الحشد عراقيا تحت علمه.
النقطة الثانية في الخارطة العراقية ان الدور الكردي يبقى متقدما على ادوار بقية القوى العراقية، بما فيها القوات الحكومية، وهناك تجهيز كبير بالأسلحة والمعدات لقوات البيشمركة التي ترى قوات الناتو بانها الافضل لمقاتلة «داعـــش» من دون وجــهات نظر طائفية، بالاتجاهين الشيعي المعارض او السني المؤيد.
والنقطة الثالثة ان الكثير من الزعامات السنية ترى ان هذه الحرب على «داعش» وارهابها، يمكّنهم من اعادة فرض وجودهم في العملية السياسية العراقية، وانتظار الغنائم السياسية لمكونهم الاجتماعي بضمانات أمريكية، يتطلب منهم اظهار ما يوصف في وسائل الاعلام ودراسات مراكز الابحاث، بالاعتدال الموضوعي، والمشـــاركة الفاعلة للقتال ضد «داعش» ومنع حواضنها الاجتــــماعية في مناطقهم، وكلا الامرين لا يمكن تحقيقهما الا بوجود قيادات ميدانية جديدة يمكن ان تبرز سريعا مع مجريات تنفيذ خطة الحرب عمليا.
كل ما تقدم يكرر الاشارة الى توزيع الادوار عراقيا لتحقيق مشروع اعادة بناء العملية السياسية كناتج عرضي للحرب على «داعش»، بعد ان فهمت القيادات الشيعية وقبلها القيادة الايرانية، ان اي حديث عن تكرار نموذج حكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي يمكن ان ينتهي الى آثام اكبر من تقسيم العراق، وبالتالي ضياع النفــــوذ الايراني الذي تريده على كل العراق، وينحصر فقــط في المناطق الشيعية، وذات الشيء فهم من بقية دول الاقليم، ان تحويل العراق الى ساحة لتصفية الخلافات مع ايران لا يمكن ان ينتهي الى نتائج، من دون الاكتواء بنيران الارهاب، الذي ربما كانت تراه بعض الجهات الحل الوحيد لتحطيم الهلال الشيعي في المنطقة، وما بين هذا وذاك، يبقى الجميع بانتظار نتائج هذه الحرب، طالت ايامها أم قصرت، لان مشكلة القضاء على دولة العراق والشام الاسلامية، تتمثل في تحطيم منظومتها الاقتصادية، وحواضنها الاجتماعية، قبل هزيمتها العسكرية.
لكن الموقف الإيراني يحمل في طياته الكثير من الاحتمالات، اليوم نقف امام حالة جديدة، تؤطر النشاط الأمريكــــي، وفقا لمعطيات المنطقة واعلان دولة الخلافة الاسلامية باسم «داعش»، وموافقة المرشد الأعلى للثورة الايرانية على فتح أبواب الاتصال مع القوات الأمريكية للتنسيق في حربها الدولية على هذه الدولة، التي يرى خبراء البيت الابيض انها يمكن ان تستمر لأكثر من عامين!
وحين رفضت واشنطن «علنا» هذا الاندفاع الايراني لاستثمار الفرصة العراقية، سارعت طهران الى اصدار تصريحات جديدة ترى ان هذه الدعوة قد أسيء فهمها، حين نفى عضو لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الايراني النائب اسماعيل كوثري، الاخبار التي تداولتها قناة بي بي سي البريطانية، من ان طهران وواشنطن يتعاونان بشأن التصدي لتنظيم «داعش» الارهابي في العراق، وقال كوثري، حسب وكالة انباء فارس الايرانية، «ان التعاون بين ايران وأمريكا حول العراق، من اجل التصدي لمجموعة مسلحة صنعتها واشنطن وتل ابيب والرياض، أمر غير ممكن» .
في أحاديث سابقة مع أبو عزام التميمي، مستشار عام الصحوات في العراق، شدد على ان تنظيم «القاعدة» وكل تشكيلاته مجرد بنادق للايجار، يمكن ان تحقق اهداف المخابرات الدولية التي تريد الاضرار بالعراق، مؤكدا ان هذه التشكيلات تظهر وتختفي بقرار من جهات التمويل، والسؤال كيف يمكن لدولة العراق والشام الاسلامية ان تختفي؟ ولماذا حدد البيت الأبيض تقديراته بان الحرب عليها تتطلب من عامين الى ثلاثة أعوام؟
يمكن ان نبحث عن الاجابة في التقرير الشامل لمشروع القــــرن الأمــــريكي الجديد، الذي ناقش امكانيات زعامة أمريكا المطلـــقة للعالم في القـــرن الواحـــد والعشـــرين، ومن حيثيات هذه الهيمـــنة الشاملة فرض السيطرة على خطوط توزيع الطـــاقة ومنابعـــها واعادة تدوير أرباح البترودولار، لانقاذ عجلة الاقتصاد الأمريكي التي من دون عملية اعادة التدوير هذه تكون خارج اطار المنافسة المحتملة مع التنين الصيني او مع الدب الروسي الناهض من غيبوبته، في ملفي سورية والقرم «الازمة الأوكرانــــية» بعد سنوات الغيبة عن عالم متعدد الأقطاب، بما يؤكد ان هذين العامين او الثلاثة أعوام يراد بها اعادة تشكيل سياسات اقليمية ودولية، تمنح واشنطن امثولة الهيمنة المطلقة. والمصيبة ان اغلبية الأطراف الاقليمية تمنحها هذه الامثولة بسخاء، حتى ان كانت عبر دعم «غير حكومي» للارهاب الـداعشي بعد ان اصبح «الدم العربي» يباع في سوق ساسة العراق الجدد بأبخس الاثمان.
٭ صحافي وكاتب سياسي عراقي

مازن صاحب



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا