>

لماذا اتهام العرب في فرنسا بمعاداة السامية؟ - ولاء سعيد السامرائي

لماذا اتهام العرب في فرنسا بمعاداة السامية؟
ولاء سعيد السامرائي


مرة أخرى، وبعد الفشل الذريع الذي لحق بتسويق فكرة "معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية" التي روّجها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، نشرت مجموعة من النخبة الفرنسية بيانا بشأن ما سموها "معاداة السامية الجديدة" يتهمون فيه الفرنسيين من أصول عربية ومسلمة، ومعهم تيار من اليسار السياسي الفرنسي بها. يقول البيان إنه وبسبب "معاداة السامية الجديدة" يعاني اليهود من "التطهير العرقي"، ويتم ذلك "بضجة خافتة"، ووسط "صمت إعلامي"، كما يطالب بمكافحة "الظاهرة" قبل فوات الأوان، وذلك بجعلها "قضية وطنية".
كاتب البيان هو فيليب فال الرئيس السابق لتحرير صحيفة "شارلي إيبدو" التي نشرت الكاريكاتير النرويجي المسيء للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، قبل سنوات، بحجة حرية التعبير، وقعه مجموعة من السياسيين، مثل الرئيس السابق، نيكولا ساركوزي وزوجته كارلا بروني ورئيس الوزراء السابق إيمانويل فالس ونظيره جان بيار رافاران، وكلهم من الباحثين اليوم عن عودة إلى السلطة، ومعروفون بقربهم من مجلس المؤسسات اليهودية في فرنسا. وأخرى فنية وثقافية، كالممثل جيرار ديبارديو والمغني أزنافور والكاتبة، إليزابيث بادنتر، وهي صاحبة أهم وكالة إعلانية في فرنسا موالية لإسرائيل.
لقد تم اختيار تعابير البيان بشكل دقيق، ليس فقط لترهيب العرب والمسلمين من مواطني فرنسا وتهديدهم، ربما من القادم، ولكن أيضا لتشويه صورتهم أمام بقية مواطنيهم، وزعزعة التعايش
"وراء كل الحملات الإعلامية ضد العرب نجد القضية الفلسطينية" والثقة بين مختلف فئات الشعب الفرنسي، وبث بذور الشقاق والفرقة بينهم، فما زالت الآثار النفسية للحرب العالمية الثانية تؤدي فعلها في الذاكرة الجماعية الغربية، والفرنسية خصوصا. إلقاء تهمة معاداة السامية على العرب هو للقول إنهم سيطردون اليهود كما طردهم الألمان، وربط صورتهم بالنازية والفاشية والهولوكوست هو إشارة بأنهم نازيون، ومن شأنه تذكير الفرنسيين وجعلهم يشعرون مجدّدا بالذنب، لما "يحصل لليهود". يستخدم كاتب البيان مقتل 11 يهوديا في "أحداث مختلفة" منذ سنوات في فرنسا، أكثرها لا يظهر فيها عامل كره اليهود جليا، وتشوبها عدم المصداقية ليجعلها حجةً على المسلمين وعلى الإسلام، ويطالب المسلمين بحذف نصوصٍ قرآنيةٍ يعتبرها مشجعةً على العنف ضد اليهود، فهل يقبل كل هؤلاء العلمانيين ممن يمعنون بكلام الحقد منذ عشرين عاما ضد الإسلام والمسلمين أن يطلب منهم حذف نصوص من التوراة والعهد القديم تنص على قتل غير اليهود وسبيهم واغتصاب نسائهم وقتل أطفالهم؟ لماذا لا يطالبون، وهم نخبة المشهد الباريسي المتعجرف، بحذف نصوص إبادة الأمم في التوراة؟ منذ الانتفاضة الفلسطينية وثورة الحجارة على الاحتلال الصهيوني، ونخب الصالونات الباريسية لا تمل ولا تكل من اجتراح الأكاذيب لتجميل صورة الكيان الصهيوني، وتشويه ثاني أكبر جالية عربية ومسلمة في العالم، توجد في فرنسا، أمام ثاني جالية يهودية بعد الولايات المتحدة، للانتصار إعلاميا في بلد أوروبي مهم (فرنسا)، فوراء كل الحملات الإعلامية ضد العرب، نجد، في النهاية، القضية الفلسطينية والاحتلال ورغبة لوبيات إسرائيل في الخارج، بتحجيم الحاضنة العربية، ومن يؤيدها، بخصوص القضية الفلسطينية.
فيليب فال ومن حوله من نخب لا يكافحون معاداة السامية ولا العنصرية، كما يدعون منذ عقود، بل إن غرضهم أساسا هو شيطنة الجالية العربية، وتحييد نشاطاتها وردعها عن إبداء أي تضامن، وإقامة أي نشاط من أجل الشعب الفلسطيني. لقد أصبح تزايد أنشطة الشباب العربي، وانخراطهم في منظمات المجتمع المدني، وفي حملات المقاطعة (BDS) يقلق اللوبي الصهيوني. لذا فهو يعمل، ومن أعلى المستويات، على اختراع أسلحة فكرية للهجوم الشامل، كما فكرة "معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية"، وحينما لاقت هذه استهجانا واستهزاءً، سوقت الفكرة التي تليها، "معاداة السامية الجديدة".
ينسى من كتب البيان ووقعه أن المسلمين لم يقترفوا ما اقترفته الدول الأوروبية من جرائم ضد اليهود، لأن حملات الذبح وقتل اليهود لم تحدث في أرض المسلمين، بل وقعت في القرن الماضي في أوروبا الشرقية وروسيا وإسبانيا. وقد هجرت الأخيرة، في عهود محاكم التفتيش، آلافا منهم، وطردتهم من إسبانيا، ليستقروا في بلدان المغرب العربي وتركيا. وعاش اليهود عصورهم الذهبية في البلاد الإسلامية. وهذا المفكر وعالم الأجتماع الفرنسي، إدغار موران، يستشهد دائما بأن والده اليهودي المهجر من إسبانيا كان مستشارا للسلطان العثماني عبد الحميد، وأنهم عاشوا في بلاد المسلمين معزّزين مكرّمين مثل باقي المواطنين. ويدّعي كاتب البيان، فيليب فال، والذي حصل على ترقياته بسبب تهجمه على الإسلام، محاربته معاداة السامية، وعمله من أجل السلم الاجتماعي لكنه لا يكف عن التحريض والتشويه منذ عشرين عاما، وهو يتجاهل الحقائق التاريخية، أو يحرّفها، ويكتب أكاذيب يريد اللوبي الذي ينتسب إليه ترسيخها في فرنسا. لو كان فال كما يدّعي، فلماذا لا يتكلم عن استقبال المسلمين في المغرب العربي اليهود الهاربين من معسكرات الاعتقال، حينما كانت حكومة فيشي تمنع يهود فرنسا من الحياة الإنسانية الطبيعية، وتجبرهم على حياةٍ لمواطنين من الدرجة الثانية؟ ومعلوم أن قرارات تلك الحكومة لا تعود إلى قرون مضت، وإنما قبل سبعين عاما، وما زال هناك ممن عاشوها، أحياء، يروون قصصا كثيرة عن العنصرية ومعاداة السامية حدثت لهم في ظل حكومة فيشي.
ولعل تصريح الفرنسي (اليهودي)، بييرك تيليه، بشأن هذا البيان الذي نشر بشكل واسع على مواقع مهمة، وتناقلته شبكات التواصل الأجتماعي، تشهد على ادعاءات هذه النخب وكذبها ودعمها الاحتلال والنظام العنصري، إذ كتب يقول "إذا كانت معاداة السامية حقيقة محزنة في فرنسا وخارجها، فهي لم تعد، لحسن الحظ، الوباء الوحيد الأكثر بروزا في الواقع
"
عالم الاجتماع الفرنسي، إدغار موران، يستشهد دائما بأن والده اليهودي المهجر من إسبانيا كان مستشارا للسلطان العثماني عبد الحميد، وأنهم عاشوا في بلاد المسلمين معزّزين مكرّمين" الفرنسي والدولي. لكن ماذا عن تسارع الفقر، بسبب من تساندونهم من البلطجية؟ ماذا عن تزايد هشاشة الطبقات الشعبية وتهميشها أكثر وأكثر؟ سأقول لكم بصراحة ما أفكر به بشأن بيانكم: أنا أب لأطفال يهود، والبيان كاذب ومنافق، يراد به، وبطريقة سوقية، تحويل الأنظار لحجب عدد من المآسي الحقيقية في وقتنا الراهن. تستخدمون مقتل السيدة ميري كنول، (قتلها مدمن مخدرات جزائري بسسبب أموالها)، للتغطية على سياسة إسرائيل الدنيئة في غزة، ولكي يستفيد مجلس المؤسسات اليهودية وغيره من هذا البيان، لإعادة تسويق مطلبكم وفكرتكم أن معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية.. لم يعد الأمر يؤثر فينا".
ويؤكد كلام بييرك تيليه حجم المساندة والتضامن اللذين شهدهما الشارع الفرنسي للشعب الفلسطيني في غزة. وقد أجرت صحيفة جورنال دو ديمانش يوم 16 مايو/ أيار الجاري استطلاعا بشأن سحب السفير الفرنسي من تل أبيب، شمل 33461 مستطلعا، وظهر أن 66% يؤيدون ذلك. وبإصدار هذا البيان، وجمع تواقيع 300 شخصية، أرادت هذه النخبة نسخ ما قام به السفير الراحل، ستيفان هيسل الذي نشر كتيبا صغيرا بعنوان "اغضبوا"، تم بيع سبعة ملايين نسخة منه، يدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، متوهمين أنهم سيتمكنون من قلب موازين التعاطف الفرنسي لصالح إسرائيل. ولكن بالنسبة لفرنسيين كثيرين، شتان بين هذا البيان (ومن وراءه) والموقف الإنساني والشجاع للسفير هيسل، المدافع عن الحق والعدالة، وقد لامس كتابه الصغير عقول ملايين الفرنسيين ومشاعرهم، وأثار مزيدا من التعاطف مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا