>

قرار البرلمان العراقي مخالف للقانون وغير ملزم وأقر برسمية التواجد العسكري التركي

الدكتور
عبد القادر القيسي
بداية (اننا ضد تواجد أي عسكري غير عراقي ونعده جريمة) ونقول:
في مواجهة دبلوماسية متصاعدة بين العراق وتركيا، بشأن تواجد القوات التركية في العراق ومعركة تحرير الموصل، وقاربت تصريحات رئيس الوزراء حيدر العبادي، ووزير الخارجية خلال الثلاثة أشهر الأخيرة بحوالي عشرة تصريحات، ويعتبر التواجد التركي في العراق واحداً من الملفات الخلافية بين الكتل السياسية العراقية حيث يؤيده الأكراد وبعض الكتل السياسية والمدنية، بينما ترفضه كتل أخرى حاكمة، وحاولت كتل سياسية وقادة مليشيات تعميق الأزمة بين البلدين وعرقلة أي علاقات دبلوماسية، واعتبر "اتحاد القوى العراقية"( أنّ الوجود التركي "ضروري للحفاظ على محافظة نينوى ووحدتها والتسريع بعملية تحريرها)، وفي خضم هذه الاحداث اصدر البرلمان العراقي في 5/10/2016 قرار برلماني اعتبر فيه القوات التركية قوات محتلة، ولنا عليه عدة ملاحظات ومطبات شكلية وموضوعية:
المحور الشكلي:
اولا- قرار البرلمان ليس له قيمة الزامية تجاه الحكومة العراقية وتجاه السلطات:
ان مجلس النواب يعرف انه لا قيمة الزامية لقراراته وهذا ما اكده قرار المحكمة الاتحادية العليا بالدعوى المرقمة 28/اتحادية/2012، والدعوى كانت إجابة على كتاب مجلس النواب للمحكمة الاتحادية العليا(شؤون اللجان/ المرقم (1/9/4429) في 9/5/2012) في موضوع قرارات مجلس النواب ولمن يريد التفصيل عليه الرجوع لمقالي(هل قرار البرلمان بحجب المواقع الإباحية ملزم قانونا؟ ام انه دوران في حلقة مفرغة؟ في 19 أيلول، 2015) والاجابة واضحة ولا يحتاج مجلس النواب الى تكرار موضوع اصدار قوانين مستندا على مادة رسمت شكلية ولم تعطي صلاحية اصدار قرارات لها قوة الزامية، ولنا على القرارات التي يصدرها مجلس النواب، استدراكتين إضافة لقرار المحكمة الاتحادية العليا، وهي:
الاولى/ المادة (61) من الدستور النافذ، حددت مهام مجلس النواب في ب(تشريع القوانين والرقابة، وانتخاب رئيس الجمهورية والموافقة على تعيين رئيس واعضاء محكمة التمييز الاتحادية... الخ بالإضافة الى اصدار القرارات والتي وردت ضمن مواد عديدة) ولم يشر من قريب او بعيد الى صلاحية مجلس النواب باتخاذ قرارات لها قوة القانون (أي اصدار قواعد عامة مجردة بعنوان قرارات تتضمن قواعد عامة تلزم الحكومة بتنفيذها) بحيث تشابه من حيث القوة القانونية مع ما كان يصدر من مجلس قيادة الثورة المنحل من قرارات، ونشير بهذا الصدد لقرار مجلس شورى الدولة رقم (13/2008) في (5/11/2008) المؤيد لما سبق وصفه.
الثانية/ ان (البند الخامس) من المادة (138) من الدستور التي يستند اليها مجلس النواب في اصدار قراراته نصت على شكلية؛ حيث اوجبت ارسال القوانين والقرارات التي يسنها مجلس النواب الى مجلس الرئاسة لغرض الموافقة عليها والان اصبح رئيس جمهورية وانتهى العمل بمجلس الرئاسة، وانتهت معها صلاحية مجلس النواب في ذلك، مع العلم ان هذه الصلاحية لا تبيح لمجلس النواب اصدار قرارات لها قوة القانون، والقرارات المقصود بها هي القرارات المحددة حصرا في المادة (61/ثالثا/خامسا/سادسا/ثامنا/أ- ب) من الدستور استنادا لأحكام البند (ثانيا) من المادة(93) من الدستور والمادة (5) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا، والتي يتم نشرها بالوقائع العراقية استنادا لقانون النشر رقم (78) لسنة 1977 المعدل، وبالتالي ان القرارات:
الف-قرار حجب المواقع الإباحية في14/9/2015.
باء-قرار إحالة جرائم داعش للمحكمة الجنائية.
جيم- قرار منع الأجهزة الأمنية من مطالبة النازح بكفيل للدخول الى بغداد.
دال- قرار اقالة مفتش وزارة الصحة(عادل محسن).
هاء- قرار حل لجنة شؤون النازحين برئاسة صالح المطلك.
واو- قرار عدم استبعاد اي مرشح من الانتخابات في 20/مارس/ 2014.
زاء- قرار في 11 اب الماضي/2014، بتخيير أصحاب المناصب من ذوي الجنسية المزدوجة بين إسقاط الجنسية المكتسبة والإعفاء من المنصب خلال مدة لا تتجاوز 30 يوما، وكان ضمن الورقة الإصلاحية.
وغيرها من قرارات لم تجد طريقها للتنفيذ لدى السلطة التنفيذية او غيرها، وبالتالي تعد فاقدة للمشروعية أساسا، وهو ما يفرغها من ثقلها الدستوري وقوتها الإلزامية.
ثانيا-عشوائية البعد السيادي في القرار البرلماني:
الاداء البرلماني يتغنى بالسيادة بالصبغة المذهبية عندما يتعلق الامر بتركيا والمحافظات السنية وتارة بالصبغة القومية للسيادة عندما يتعلق الأمر بإقليم كردستان، والقرار البرلماني كان جزء من الزوبعة الأخيرة التي أثيرت بحق تواجد القوات التركية في معسكر بعشيقة قبل فترة وكان القرار متسرعا وليس ببعيد عن تنفيذ سياسات تخدم المحور الايراني السوري الروسي ضد دول وحكومات من محور آخر مثل تركيا وبلدان الخليج، وهي امتداد لما اثير حول السفير السعودي.///
السيادة لها خمس خصائص هي انها:::
مطلقة وشاملة ولا يمكن التنازل ودائمة ولا تتجرأ (والحكومة تعتبر الأرض سيادة والسماء ليست بسيادة)، وجميع هذه الصفات لو أردنا مقارنتها مع المعطيات الموجودة والوقائع المبسوطة في المشهد العراقي نجدها منقوصة وغير مطبقة والشواهد عديدة لسنا في مجال الاتيان بمجملها.///
ومن مقارنة التواجد العسكري للقوات التركية نجده لم ينتهك السيادة، لعدة مظاهر ومؤشرات:::
الف- التصريحات التي رافقت التواجد العسكري التركي، منها ما اكد انه جاء بناءا على اتفاقات مسبقة بين الحكومة العراقية الحالية والسابقة وتمتد الى ما قبل الاحتلال، والتصريحات صدرت من قيادات حكومية وبرلمانية وسياسية عراقية، والبرلمان العراقي والحكومة العراقية اعترضا على التواجد التركي واعتبروه خرقًا خطيرًا للسيادة العراقية، ولم يطرحوا لنا؛ تفسير تواجد تلك القوات منذ اكثر عامين او حتى نفي ذلك او تبريره، ولو اردنا ان نضع ميزان لوزن الأدلة المتوفرة على رجحان كفة ان التواجد التركي جاء بناءا على اتفاقات مسبقة، من عدمه؛ لمالت كفة الأدلة على وجود اتفاقات مسبقة اكثر من عدم وجودها من خلال عدة تصريحات تؤكد ذلك الامر، ابرزها:::
= تصريح المتحدث الرسمي لحكومة إقليم كردستان سفين دزي في(6 /10/2016) اعلن، أن (إفتتاح قاعدتين للجيش التركي في العراق تم بعلم وزارة الدفاع العراقية،... بعدما هاجم داعش اقليم كردستان والعراق، قدمت العديد من الدول دعما عسكريا وتدريبات للاقليم وبغداد"، مبينا انه "في هذا الاطار تم افتتاح قاعدتين للتدريب العسكري في دوبردان وبعشيقة ..". وأضاف دزي أن "إفتتاح القاعدتين تم بعلم واطلاع من وزارة الدفاع في الحكومة الاتحادية ووزير الدفاع شخصيا بهدف تدريب قوات الشرطة العراقية والمتطوعين من محافظة نينوى"
= تصريح السيد رئيس إقليم كوردستان، ووزير المالية هوشيار زيباري.
= تصريح أسامة النجيفي نائب رئيس الجمهورية السابق واثيل النجيفي محافظ الموصل السابق.
= تصريح نواب برلمانيين عديدين منهم مثال الالوسي ونواب من اتحاد القوى والتحالف الكوردستاني.
= تصريح نائب رئيس أركان البيشمركة لشؤون العمليات، اللواء قهرمان كمال عمر، حول وجود القوات التركية لأغراض التدريب منذ عام.
= تصريح رجب طيب اوردغان ووداود اوغلوا رئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو الذي اكد مؤخرا تقديم الحكومة العراقية دعم مالي للمعسكر(جميع التصريحات التركية متناغمة وموحدة).
= تمديد البرلمان التركي لعدة سنوات التفويض للجيش التركي بدخول الأراضي العراقية، اين كان برلماننا؟.
= القوات التركية قد دخلت وتغلغلت في الأراضي العراقية ورافقتها طلعات وضربات جوية ومدفعية ومنذ سنوات لمواقع حزب العمال الكردستاني في شمال العراق وليس هناك احتجاج بانتهاك السيادة العراقية.
= زيارة وزير الدفاع لمعسكر بعشيقة أكثر من ثلاث مرات.
= علم رئيس مجلس النواب بالتواجد العسكري التركي وذهابه لتركيا عدة مرات لأجل تعزيز التعاون الأمني والعسكري مع تركيا.
=هناك اتفاقية بين المالكي وتركيا في عام 2007وتم تشكيل مجلس استراتيجي للتعاون المشترك بين البلدين.
= تصريحات لمسؤولون أمريكان بأنهم على دراية بنشر تركيا مئات من الجنود الأتراك في شمال العراق.
= تصريح وزارة الخارجية الألمانية (سيباستيان فيشر) إن “الجنود الأتراك موجودون بشكل فعّال في شمال العراق منذ أعوام خلت”.
باء-ان جميع التصريحات الرسمية لدولة تركيا تؤكد احترامها للسيادة العراقية وأنها داعمة لها في محاربتها الإرهاب، ان السيادة واحدة في كل الأحوال فالذي يعتبر وجود القوات الأمريكية على الأرض العراقية خرقاٌ للسيادة عليه أن يعترف بذلك عند خرق القوات الإيرانية والتركية وقوات حزب العمال التركي لأراضينا وأجوائنا كذلك وعند اقتحام الإيرانيين والأفغان لمنافذنا الحدودية بالقوة.
المحور الموضوعي:
أولا- القرار البرلماني غير منصف وذا بعد سياسي واقر برسمية التواجد العسكري التركي:
الف- ان القرار البرلماني يشير بما لا يقبل الشك بان هناك تواجد رسمي سابق للقوات التركية، والان أصبحت هذه القوات محتلة؛ فالقرار ذكر بان العراق يرفض تمديد بقاء القوات التركية ويطلب مغادرتها.
باء- إن مفهوم الكرامة الوطنية ينص على وجوب رفض أي تدخل عسكري او مدني خارجي ليس فقط التواجد التركي (وكما صرح السيد السيستاني)، وهناك بعض التصريحات ممكن ان توجه فيها لراعي السياسة الخارجية تهمة الخيانة العظمى خاصة عندما يتعامل بازدواجية تجاه تصريحات وممارسات تؤكد بشكل قاطع بان هناك تدخل سافر ومخيف من ايران وهذا ما تؤكده مئات التصريحات ومنها تصريح الجنرال عطا الله صالحي قال فيها: (ليس من حق العراق منع الإيرانيين من دخول اراضيه لأنها ارض اجدادنا سابقا، ونحن لحق فيه لذا يتوجب على العراقيين معرفة هذا الحق وتجنب استفزاز الامة الإيرانية) والوقائع التي ينقلها أهالي كربلاء والنجف عن مظاهر التدخل الإيراني في شؤون محافظاتهم كارثية، وبيان الجامعة العربية وبيان مجلس التعاون الخليجي وعشرات التصريحات الامريكية وسياسيين عراقيين وغيرهم والامر لا يحتاج الى بحث وتقصي بل الأدلة مادية ومباشرة ويقينية على هذا التدخل والوزير ومعه الحكومة تحاول تسويف ذلك في الغرف المظلمة.
ثانيا-القرار مخالف للقانون:
القرار اوجد عقوبات لفعل لم ينص عليه القانون، من خلال الطلب من الجهات القضائية المختصة بتحريك الدعاوى القضائية لمحاسبة المطالبين بدخول القوات التركية الى العراق وإطلاق التصريحات المساندة والمبررة لوجودهم، ولا نعرف تحت أي نص عقابي ممكن ان يتعرض شخص للمساءلة القانونية إذا ما أمن بفكر او تصرف محمي بالدستور النافذ، وقرار البرلمان ليس فيه أي الزامية لأي من السلطات العامة وللمراجع القضائية.
ثالثا- القرار لم يراعي الاعتبارات الدبلوماسية والامنية:
الف- كان على العراق تهدئة الموقف وعدم التمترس مع محاور لا تحقق مصلحة للعراق، والطلب من تركيا التفاهم حول الاتفاقات المبرمة، والعمل على الغاء ما لا يناسبها وفق الطرق المتبعة، وبعدها لا تكون هناك حجة لبقاء القوات التركية في العراق وبعيدا عن خلق توترات، وعدم محاولة التباكي على شاشات الفضائيات وفي صدر الواجهات العريضة للصحف عن مخاوفنا على السيادة العراقية.
باء- تركيا فقدت المئات من مواطنيها جراء التهديدات الإرهابية التي مصدرها الأراضي العراقية، وبالذات تواجد حزب العمال التركي والذي يمارس نشاطه العسكري في العراق بحرية وبدعم من الحكومة العراقية وهذا ما أشار اليه رئيس لجنة حقوق الانسان النائب ارشد الصالحي واكد ان الحزب مصنف حزب إرهابي، والعراق لم يتعرض البتة لأي تهديد مصدره الأراضي التركية فعلى المسؤولين العراقيين أن يمسكوا بيد الصداقة والمساعدة.
جيم- معركة تحرير الموصل ستفرز مليون لاجئ تقريبا وكثير منهم سيتوجه لتركيا، لذا فهي معنية بمعركة تحرير الموصل لتحافظ على امنها.
رابعا- القرار كان صدى لفتاوى دينية واجتماعات حزبية:
حيث أصدر المرجع الديني قاسم الطائي، 2 أكتوبر 2016، فتوى دينية بوجوب قتال القوات التركية التي وصفها بـ "الغازية"، معتبراً ذلك "واجباً شرعياً وأخلاقياً"، وكنا نتمنى ان تصدر مثل هذه الفتاوى عند الاحتلال الأمريكي للعراق فهي بموجب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة هي قوة محتلة، وقبلها كان هناك اجتماع للتحالف الوطني لذات الموضوع.
وفي الأخير: على البرلمان العراقي أن يشرع قانوناً بإعلان التأهب الشعبي لمحاربة كل من يحاول إيجاد موطئ قدم له في العراق إن كان داعشياً أم تركياً ام إيرانيا وغيره، بعيدا عن السير في اتجاه يؤدي الى تآكـل النظام الذي تقوم عليه الدولة العراقية، عندما يصار الى تقزيم المبادئ التي يجب ان يعتاد عليها الشعــب، ويؤدي الى تقطيع أوصال دولة القانون لتحقيق نزوات سياسية فيها من المصالح ما يخفى.
ويقول الامام الغزالي رحمه الله:
(انما فسدت الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، فلولا قضاة السوء وعلماء السوء، لقل فساد الملوك خوفا من انكارهم)



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا