>

عندما تُقمع هذه الأصوات في فرنسا - ولاء سعيد السامرائي

عندما تُقمع هذه الأصوات في فرنسا
ولاء سعيد السامرائي

وقّع ثمانون شخصية من الوسط الباريسي "الثقافي" على عريضة يدينون فيها فكرة "إنهاء الاستعمار" التي يدعو إليها حزب "السكان الأصليون للجمهورية"، والذي يطالب الحكومات الفرنسية منذ تأسيسه في 2005 بمساواة الفرنسيين المهاجرين من أصول عربية وأفريقية وغيرها من سكان الضواحي بالمواطنين الفرنسيين الآخرين في إطار القيم الجمهورية. ويدّعي الموقعون على العريضة أن هذا الحزب، ومعه جمعيات من المجتمع المدني، وبحجة مفهوم "إنهاء الاستعمار"، يهدفون إلى الهيمنة ويثيرون فكرة العرق، ناعتين شخصيات معروفة، مثل ماري ضياي، الحاصلة على جائزة-الكونغور، الفرنسية الأدبية الرفيعة، عام 2009، ولاعبي كرة من أصول أفريقية، مثل تورام، وكان سابقاً في الفريق الوطني الفرنسي، بأن ما يقولونه محض هراء، وأن المحيط الإعلامي الحديث يعطيهم الكلام، ليعبروا عن "أحقادهم وسوداويتهم" التي تلقى أصداء خطيرة لدى "طبقات غير مثقفة"، ما من شأنه أن يؤدي إلى ما سموه الحقد الطبقي والعرقي. ليس هذا فحسب، بل طالب هؤلاء المثقفين المتشدقين بالديمقراطية، والمؤسسات العلمية والجامعية والقضاة، وأماكن انعقاد المؤتمرات والندوات، برفض أي طلبٍ من هذه الجمعيات لاستخدام قاعاتها وعقد ندواتها، لأنها "تعكّر صفو المجتمع، وتبث الحزازات والأحقاد".
تأتي هذه الدعوة في عهد الرئيس ماكرون، وسبقتها إجراءاتٌ اتخذها قبله الرئيسان السابقان، نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند. وبينما استهدفت الإجراءات السابقة من الداخلية الفرنسية كل ما يخص القضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني، ومحاربة أنشطة بشأنهما، وأحياناً اعتقال نشطاء حملة المقاطعة ضد إسرائيل، فإن هذا البيان الذي نشرته مجلة لوبوان وقّع عليه ناشطون عديدون في المجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان من السود وضد التمييز العنصري الذي تتزايد حدّته في فرنسا منذ سنوات. ولعل استهداف الجمعيات الناشطة في هذا الميدان ما هو إلا حجة لمنع توسع حملة مقاطعة إسرائيل المتزايدة في أوروبا، وفي الجامعات الأميركية، وأصبحت مصدر قلق للدولة العبرية.
إن تحليلاً سريعاً للخطاب الذي وقعته المجموعة نفسها التي تحتل المشهد الباريسي الإعلامي
"نيات سيئة تجاه أصوات الفرنسيين من أصول مهاجرة عربية وأفريقية" والثقافي منذ عقود، وملّها الجمهور الفرنسي، من كثرة تكرارها الموضوعات نفسها في الدفاع عن الاحتلال وسياسة حكوماته، وخصوصاً تأليب الشعب الفرنسي بعضه على بعض، ودعم الشخصيات العنصرية حصرياً ضد العرب والمسلمين، إن هذا التحليل يظهر تناقضات هذه المجموعة ونياتها السيئة والمقصودة ضد جزءٍ من الشعب الفرنسي، أي الفرنسيين من أصول عربية. ولن تكفّ هذه النخبة عن حربها، لا اليوم ولا غداً، فهي مستمرة ما دامت الحرب قائمة في منطقتنا. تعمل بترتيب لإزاحة هذا أو ذاك، هذه الجمعية أو تلك، ودعوتها هذه ترهيبية للمؤسسات الفرنسية، وفي مقدمتها المؤسسات العلمية الجامعية والبحثية التي استقبلت طارق رمضان، والذي أُلصقت به تهمة اغتصاب نساء، لتبرئه المحكمة فيما بعد. كما استقبلت هذه المؤسسات حلقة بحثية عن التمييز العنصري في الدراسات الاجتماعية الحديثة، شاركت فيه أنجيلا ديفيز، إحدى أشهر رموز النضال من أجل الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، ورفيقة مارتن لوثر كنج، زعيم حركة السود الذي اغتيل لوقوفه ضد حرب فيتنام، جنباً إلى جنب مع الناطق الرسمي لحزب "السكان الأصليون للجمهورية"، حوريه بوتجله، المرأة التي تغضب أصحاب هذه التواقيع، بصراحتها وفضحها خطاب المثقفين الفرنسيين الداعمين للاحتلال الصهيوني وللخطاب العنصري المكرّس ضد العرب بامتياز.
يقول الموقعون على هذه العريضة إن هؤلاء يقدّمون أنفسهم أنهم تقدميون مناهضون للعنصرية، وضد الاستعمار، ومع حقوق المرأة، لكنهم في الحقيقة يسرقون نضال هذه القضايا. والمتابع لهذه الأوساط يدرك أن هناك خوفاً من هذه الجمعيات التي تتصدّر اليوم مشهد القضايا العالمية العادلة، ما أزعج هذه الشخصيات التي تعتقد أنها الوحيدة صاحبة الحق في فرنسا لتعطي رأيها في القضايا الإنسانية. ولذا لم ترُق لها مشاركة حزب "السكان الأصليون للجمهورية" في ندوة علميةٍ مع جامعات وباحثين وأساتذة أميركان وبريطانيين متخصصين في العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجية بشأن العرق والأمة والعلمانية، بحضور لافتٍ ومهمٍ لأساتذة وطلاب جامعات، وإلقاء بحوث علمية رصينة وقيمة تعدّ بداية لدراسات في هذا المجال غير الموجود في الجامعات الفرنسية بشكله المطروح. وأن يتبوأ هذا الحزب مكانه، ويلقى سمعة محترمة في الأوساط الجامعية الأوروبية والأميركية. وعليه، تجب شيطنة هذه الجمعيات، وإسقاط رموزها، كما تمت شيطنة المفكر طارق رمضان، أستاذ العلوم الإسلامية في جامعة أكسفورد. وليس مصادفةً أن تأتي العريضة في وقت تبرئة رمضان، لمنعه من العودة إلى نشاطه وندواته في المؤسسات الجامعية والبحثية في فرنسا.
ليس ذلك فحسب، فهذه النخب تشعر منذ سنوات بأن الفرنسيين لم يعودوا يهتمون بآرائها، وملّوا تكرارها وخطابها المزدوج. وهي أيضاً تلوم هذه الجمعيات بحجة أنها تمنع تعددية الخطاب، وتريد فرض الحجاب والعنصرية والتمييز العنصري ومسألة المرأة المسلمة. كما "تدين" تقوقع من فيها على الهوية، وإدانتهم بشدة عنصرية الدولة الخطيرة في فرنسا. وتبدو هذه النقطة متناقضة مع حملة تواقيع هذه الشخصيات، فهي من تريد إزاحة هذه الجمعيات، وتدين خطابها، وتصفه بالعنصري، وبإقصاء الآخر، بينما هي من يمارس ذلك منذ بداية غزو العراق، وحملة التواقيع هذه أكبر دليل. وتدعم هذه الشخصيات الأقليات والانفصاليين في العراق وسورية ولبنان، وتتبجّح بأنها مع حقوق الأقليات في هذه البلدان، فلماذا تنكر على العرب والأفارقة الكلام والانعتاق، وترغب في أن يصمتوا ويختفوا عن المشهد السياسي والإعلامي، وفرنسا بلد المواطنة والجمهورية والديمقراطية؟
لا تكتفي هذه الشخصيات بطرح أفكار ضد جمعياتٍ قانونية من المجتمع المدني، معترف بها،
"خوف من الجمعيات التي تتصدّر اليوم مشهد القضايا العالمية العادلة" وتمولها الدولة الفرنسية نفسها، لكنها تدينها لتفنيدها ونقدها خطاب بعض الشخصيات العنصرية التي تحتل المشهد الإعلامي الفرنسي، وساهمت في تأجيج العنصرية بين الشعب الفرنسي ضد العرب والمسلمين، بشهادة منتجي البرامج أنفسهم الذين يعملون معهم، حتى وصل بهم الأمر إلى حد الاعتذار، والقول إنهم يعترفون بأن بعض الصحافيين العاملين معهم قد أوغلوا في الخطاب العنصري كثيراً، وساهموا بتوسيع رقعته في فرنسا.
هنا، تبرز بوضوح النيات السيئة لأصحاب التواقيع تجاه أصوات الفرنسيين من أصول مهاجرة عربية وأفريقية، فلماذا يكون لهذه النخب الحق في الكلام والتعبير عن آرائها بشأن القضايا الإنسانية العالمية والوطنية، ولا يحق للمواطنين من أصول عربية وأفريقية أن تكون لهم آراؤهم وأصواتهم المختلفة؟ من هو العنصري ومن هو صاحب الخطاب المزدوج؟ عند بدء الحملة ضد المفكر طارق رمضان، صرّح رئيس منظمة أطباء بلا حدود سابقاً، روني برومان، وأستاذ العلوم الاجتماعية، أيريك فاسان، إن قضية رمضان تعيد الهجمة التعسفية على ممثلي الحركة المضادة للعنصرية.
بدأت أولى نتائج إرهاب هذه التواقيع المدعومة بتجميد التبرّعات لحملة المقاطعة للكيان الصهيوني، وهي تُثبت أن حملة التواقيع هذه لا تهتم بتصفية الجمعيات الأفريقية بقدر اهتمامها واستهدافها النشاطات الداعمة للقضية الفلسطينية لتصفيتها بالكامل، بتوصياتٍ وطلبٍ من مجلس المؤسسات اليهودية (لوكريف)، اليد الطولى لحزب الليكود الإسرائيلي، والتي كانت قد بدأت مع الرئيس الأسبق ساركوزي. ليتذكر هؤلاء الذين يصدّعون رؤوسنا بمبادئ الجمهورية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات، أنهم كانوا أول الداعمين لغزو العراق وتدميره، واستخدام الأقليات ورقة يتلاعبون بها، من أجل مصالح الهيمنة الاستعمارية. ولو كان الجنرال ديغول هنا، لرد على الموقعين، وعلى السلطات الحكومية الداعمة لهم: لا نكمم صوت فولتير. كما قالها، حينما تم توقيف سارتر المناهض وقتها لحرب الجزائر.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا