>

صعود الجبهة الوطنية في فرنسا

صعود الجبهة الوطنية في فرنسا

ولاء سعيد السامرائي

كاتبة وصحفية عراقية مقيمة في باريس



مرة أخرى، يعود حزب الجبهة الوطنية بقوة إلى المشهد الانتخابي الفرنسي في رئاسيات عام 2017 التي انتهت جولتها الأولى في 23 من إبريل/ نيسان الماضي، وخرج منها مترشحا للجولة المقبلة في 7 مايو/ أيار. ومثل كل مرةٍ يصعد فيها الحزب، تتغير معطيات التصويت لدى الناخب الفرنسي، فبدل أن يصوّت للحزب وللبرنامج الانتخابي المناسب له، أخذ يصوّت ضد حزب الجبهة الوطنية.
في عقد الثمانينيات، وبفضل الرئيس الاشتراكي، فرانسوا ميتران، برز هذا الحزب بقوةٍ ليصبح، منذ ذلك الحين، لاعبا مفيدا في الانتخابات الرئاسية، ففي العام 2002، حصل هذا الحزب على نسبة كبيرة في التصويت، وصلت إلى 17.79%، إذ حصل جان ماري لوبان على المركز الثاني، وأزاح مرشح الحزب الاشتراكي، ليونيل جوسبان. وشكل هذا التصويت وقعا كبيرا لدى الفرنسيين المتحسسين من الخطاب العنصري وكره الأجنبي. وهبط الشعب الفرنسي للتعبير عن غضبه من وصول حزب عنصري للجولة الثانية للانتخابات، وطالبت الأحزاب بعدم انتخاب لوبان والتصويت للرئيس جاك شيراك.
يتكرّر مشهد الأمس اليوم بصعود مارين لوبان، ابنة زعيم الجبهة، التي حلت محله في قيادتها، فحصلت في الجولة الأولى على 21،83% من الأصوات، لتحل ثانية بين المترشحين. وهذه هي المرة الأولى التي تحصل فيها الجبهة على هذا العدد الهائل من أصوات الناخبين الفرنسيين. قبل ذلك، وفي عقد التسعينيات، لم تكن الجبهة تحظى بهذه الشعبية. لذلك، كان التصويت لها محدودا جدا، ويتركّز في المناطق الفقيرة والمعدمة. لكن صعود جان ماري لوبان المفاجئ أمام ليونيل جوسبان في رئاسيات عام 2002 بدا كأنه عقابٌ لسياسيات الحزب الاشتراكي، وإنذار لسياسته الليبرالية غير المسبوقه في تاريخ فرنسا. تحت حكم ليونيل جوسبان، تمت أكبر عملية خصخصة، وتم تسريح آلاف العمال خدمة للشركات ولأرباب العمل، واعتبار هذه الإجراءات قراراتٍ ضروريةً للتماشي مع التطور وقوانين السوق الحر. أثبتت الوقائع أن هذه السياسات الليبرالية الحادّة التي تبناها اليسار، كما اليمين في فرنسا، هي الأرض الخصبة لنمو حزب الجبهة الوطنية، والتصويت الواسع له، وتصاعد العنصرية بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة الصغيرة .
تعود هذه السياسات إلى ما يزيد على ثلاثين عاما، وهي مستمرة نحو التوسع من الاشتراكي
"حصلت الجبهة على أفضل أرقامها في المناطق المليئة بالمشكلات الاقتصادية والأجتماعية" فرانسوا ميتيران إلى اليميني نيكولا ساركوزي ومن بعده. ولم يكن حزب الجبهة الوطنية الذي يدّعي أنه حزب فرنسا، وقريب من شعبها، معاديا لرأس المال، مثل بقية الأحزاب، بل حظي باستمرار بدعم رؤوس الأموال والبورصة، لأن جل مطالبه وغضبه يصبّ على العمالة الأجنبية، وعلى المهاجرين والمسلمين والإسلام، وليس على السياسيات الليبرالية، وتدمير اقتصاد فرنسا، وبيعه للشركات متعددة الجنسية، ونقل المصانع الكبرى إلى الدول الفقيرة، لقلة الكلفة وتدمير فرص العمل. وما خطاب الجبهة حول حماية الاقتصاد الوطني إلا خطاب شعبوي لحصد مزيدٍ من أصوات العاطلين والعمال، وإلا لماذا يقوم أحد أقطابه بطمأنة إدارة أرباب العمل، مؤكدا أنهم مع الليبرالية، ومع التبادل الحر، وليس ضدهما.
منذ الثمانينيات، وفي كل جوله انتخابية، تبدو الجبهة الوطنية بوضوح حزبا وظيفيا مفيدا لأحزاب اليمين، كما اليسار، للفوز في الانتخابات، بدليل تصريح وزير الخارجية السابق، رولاند دوما، إن الرئيس ميتيران ساعد على بروز الجبهة، لكي يشق صفوف أحزاب اليمين، وليفوز في الانتخابات مرة ثانية. ويتذكّر الفرنسيون التحشيد الهائل لأكثر من مليوني متظاهر ضد الجبهة الوطنية، بعد أن تم إلصاق تهمة تدنيس قبور يهوديه في مدينة كاربنترا ببعض أعضائها، وليظهر فيما بعد كذب العملية. وللأسباب نفسها، أنشأ الأليزيه عام 1984 ما سمي منظمة مكافحة العنصرية واللاسامية، وجميع أنواع التجريم التي استخدمت للدعاية الحزبية أكثر من أي شيء آخر، وذلك عبر محاربة خطاب الجبهة الوطنية واستعمال الجالية العربية المسلمة وأصواتها لصالح الحزب الاشتراكي.
حصلت الجبهة الوطنية في هذه الانتخابات على أفضل أرقامها في المناطق المليئة بالمشكلات
"تبدو الجبهة الوطنية بوضوح حزبا وظيفيا مفيدا لأحزاب اليمين، كما اليسار، للفوز في الانتخابات" الاقتصادية والأجتماعية، في المناطق التي يترك الشبان الدراسة مبكرا من دون تكوينٍ، يسمح لهم بالعمل، وبدون مؤهلات إضافية، في المناطق الفقيرة، حيث تعيش الغالبية تحت خط الفقر، وتعاني من عدم المساواة الاجتماعية المتزايدة، منذ اعتماد سياسات العولمة التي تبنتها الحكومات المتعاقبة. ووفق الإحصائيات الرسمية، لا يقل عدد هؤلاء عن عشرة ملايين فرنسي. ولا تعول الطبقات العمالية الكادحة والطبقة المتوسطة المحدودة الدخل، أصلا، على حكومات اليمين المتحالفة مع روؤس الأموال تقليديا، لكن المشكلة هي في الأحزاب اليسارية التي تدّعي معاداتها الرأسمالية المتوحشة، فهي لم تقم، ومنذ سنوات، بأي خطوة من شأنها رفع الظلم والحيف عن هذه الطبقات، أو الإيفاء بوعودها الانتخابية في زيادة فرص العمل، وتأهيل العاطلين وزيادة الخدمات. بل تفاقم الوضع المعيشي مع هذه الأحزاب، إذ شهدت فرنسا مع الحزب الاشتراكي، ومنذ الثمانينيات، إهمالا مقصودا لهذه الطبقات، وانفتاحا لا سابق له على نهج العولمة والسياسات الليبرالية، وتقليل الخدمات وتقليص النفقات في الخدمات العامة والاجتماعية والتربية والتعليم والبحث العلمي والصحة وغيرها.
هذه هي الشرائح المهمشة التي صوتت بشكل واسع للجبهة الوطنية، اعتقادا أنها حزب فرنسا ضد المهاجر أو الأجنبي أو المسلم الذي يأخذ مكانها في العمل والسكن والخدمات.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا