>

زيارة الجبير واستقلال القرار العراقي - د.عبد الرحمن الحبيب

زيارة الجبير واستقلال القرار العراقي
د.عبد الرحمن الحبيب

التغير الأخير الأهم في الشرق الأوسط هو موقف الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه إيران بضرورة عزلها أو تحجيم دورها التخريبي في المنطقة. فقد انتهي المنهج المزدوج للإدارة الأمريكية السابقة في العراق بالسماح لإيران بمشاركتها النفوذ وفي نفس الوقت الحد من نفوذ إيران.
بعبارة أخرى، فإنَّ تقاطع المصالح في العراق بين اللدودين الأمريكي والإيراني الذي بدأ بالإطاحة بنظام صدام حسين، ثم وصل للمشاركة الاضطرارية بينهما في جبهة واحدة للقضاء على داعش قد انتهى أو شارف على الانتهاء، لأن تنظيم داعش يضمحل محاصراً في ركن بالموصل.
الآن، العراق يستعد لتحريك عجلة الإعمار المتعثرة فيه، متطلعاً لإعادة تأهيل علاقاته مع الجوار العربي الذي تقوده السعودية، والانعتاق من التفاف ذراع الجار الإيراني عليه عبر مليشياتها في العراق كالحشد الشعبي، حيث كانت حجتها الكبرى هي مساندة العراق في القضاء على داعش.
مرحلة ما بعد داعش ستشكل استحقاقات جديدة، فالعراق في بداية فترة سيصعب على حكومته الجمع المزدوج في التعامل مع أمريكا وإيران كحلفين في وقت واحد.. هذه اللعبة ستنتهي.
إذن، نحن أمام نهايات وبدايات تجيب عن أسئلة كثيرة أعقبت الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير للعراق التي نالت اهتماماً إقليمياً ودولياً واسعاً.. طرحت خلالها قراءات وتحليلات للتوقيت والأسباب والدلالات. السؤال الأول الذي طرح مراراً وتكراراً خلال الأيَّام الأخيرة الماضية هو أسباب توقيت الزيارة المفاجئة على هذا المستوى من التمثيل الدبلوماسي بعد ما يقرب من نحو ربع قرن. الإجابة واضحة، وهي بسبب التغيرات المهمة في المنطقة التي ستؤدي لتغيير في الخريطة السياسية وطبيعة العلاقات الدولية في المنطقة.
إذا كان أهم المتغيرات طرحته مقدمة المقال فإنَّ ثمة أخريات، مثل بداية اختلاف مصالح روسيا مع إيران في سوريا، وبداية الحوار السوري - السوري بشكل أكثر جدية.. ومثل الخلاف التركي - الإيراني فيما يخص سوريا، في حين كانت تركيا ترى أن إيران يمكن أن تكون شريكاً في حل الملف السوري.
الدبلوماسية السعودية قرأت المتغيرات جيداً وقامت بالمبادرة.. أضف إلى ذلك ظهور بوادر انزعاج عراقي من بعض حلفاء إيران إزاء الآثار السلبية من التوغل الإيراني داخل الشأن العراقي، وسيطرة طهران على القرار الرسمي والتوجهات الخارجية لبغداد، مما كان له دور مؤثر في إعادة نظرة السعودية للعلاقة مع العراق كدولة محورية مجاورة، وضرورة التحرك الفوري، ومن ثم جاءت زيارة وزير الخارجية السعودي غير المعلنة، لبغداد بعد حصولها.
المفاجئة في عدم إعلان الزيارة قد ترجع أساساً لأسباب أمنية مما يعيشه العراق من عدم استقرار، فحتى رئيس البرلمان العراقي لم يكن يدري إلا قبلها بيوم واحد حسب تصريحه. إلا أن عدم الإعلان قد يكون له مبررات أخرى لتفادي أي تخريب إيراني ودخولها على الخط لعرقلة أي مبادرة إيجابية في المنطقة كعادتها.
المفاجأة الأخرى هي في مضمون ما قدمه الجبير مما سحب الكثير من الضوضاء التي يمكن أن تثيرها إيران، عندما أعلن أن السعودية تقف بمسافة واحدة من جميع مكونات الشعب العراقي، ولم يتطرق عن مظلومية فئة دون أخرى. فالجبير استهل تصريحاته للصحفيين عقب اجتماعه بوزير الخارجية العراقي: «إن الرياض مستعدة للمساعدة في التغلب على الانقسام الطائفي في العراق»، مؤكِّداً أن «المملكة تقف على مسافة واحدة من المكونات العراقية وتدعم وحدة واستقرار العراق». هذه الرسالة الهادئة للدبلوماسية السعودية أربكت ضجيج الإعلام الإيراني، وحيرت الدبلوماسية الإيرانية في كيفية الرد عليها دون ضجيج وشعارات طائفية محتقنة!
ورغم أن الزيارة تناولت العلاقات الثنائية بين البلدين وإذابة الجليد بين السعودية والعراق، وتعيين السفير السعودي الجديد في العراق، فإنها ليست محصورة بذلك، بل بداية للتعامل مع الاستحقاقات الإقليمية والدولية وتغيرات مرتبطة بالدرجة الأولى بإيران.
حديث ترامب للعبادي الذي أعلن عنه لاحقاً، كان عن التهديد الإيراني في المنطقة (ضمنياً فك الارتباط مع إيران) وزيادة عدد القوات الأمريكية. هناك، أيضاً، مطالب دولية خارج المنطقة (الاتحاد الأوروبي) بأن على الحكومة العراقية أن تعيد النسيج الاجتماعي العراقي وتشرك جميع العراقيين في صنع العراقي ولا تستأثر به الكتلة الأولى في الحجم.. وهناك رسالة من دول الخليج العربي بأنها مستعدة لتقديم الدعم للعراق اقتصادياً وأمنياً إذا ما تحرر من وطأة النفوذ الإيراني.
فما الذي يمكن أن تفعله الحكومة العراقية ورئيس وزرائها العبادي وهو محكوم بحزبه وكتلته السياسية والنفوذ الإيراني؟ الحكومة العراقية مرتبكة من ناحية اتخاذ قرار بهذا الشأن سواء خارجياً بسبب النفوذ الإيراني ونسبياً بالتأثير الأمريكي؛ أو داخلياً في خلاف مكوناته وكتله السياسية، فرأي رئيس الدولة مختلف عن رأي رئيس الحكومة، وهما بدورهما مختلفان عن رأي البرلمان. لا يوجد موقف عراقي موحد يمكن التعامل معه، فضلاً عن وجود الحشد الشعبي المرتبط عضوياً بإيران وهو تكتل مليشيوي ضد منطق الدولة.
ما المتوقع من العبادي؟ يبدو أنه حتى الآن بين رؤيتين متضادتين: أمريكية جديدة وإيرانية قديمة اللتان لهما النفوذ في العراق، ولا يبدو أنه قرر لمن ينحاز.. الكرة في ملعب الحكومة العراقية.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا