>

رحيل الرموز ومحنة الثقافة المصرية

يكتبها: فاروق جويدة

من اصعب الأشياء ان تخلو الحديقة من طيورها ويسطو الخريف على اشجارها وتبدو موحشة حزينة وهى تسأل عن نجوم اضاءت سماءها وحركت وجدانها وهذا هو حال الثقافة المصرية الآن وهى تواجه عواصف الخريف .. فى شهور قليلة خسرت الثقافة المصرية كوكبة من نجومها الكبار .. فى شهور رحل هيكل وزويل وبطرس غالى ويحيى الجمل ومصطفى سويف وفاروق شوشة والأبنودى والغيطانى وعلاء الديب وعبد العزيز حجازى وابراهيم بدران وحمدى احمد ونور الشريف ومحمود عبد العزيز ومحمد خان واحمد سيف الإسلام وطارق سليم وحمادة امام كل هؤلاء كانوا رموزا فى زمانهم ونجوما زينت وجه مصر الحضارى والإبداعى والفكرى كل واحد منهم زين وجهها المضىء واشعل قناديل فكرها المتوهج .. ولاشك انها محنة كبرى ان تغيب عن سمائنا كل هذه الكوكبة من النجوم وقبلها رحلت عن مصر اسماء كثيرة ما بين الإبداع والفكر والفن ومع رحيل كل نجم كان الظلام يسرق بعض ما ترك هؤلاء من الوعى والإبداع والقيمة ..

< ان السؤال الذى يطرح نفسه دائما :ماذا بعد رحيل هؤلاء؟! يقولون ان مصر ولادة وانها قادرة على العطاء فى كل وقت وان الأرض التى انجبت ام كلثوم وطه حسين وعبد الوهاب والعقاد والسنباطى ويوسف ادريس ونجيب محفوظ سوف تنجب اسماء اخرى تضئ سماءها بكل ما هو رائع وجميل .. ولكننا نسينا مقولة عبد الوهاب ان الزمان يرتاح احيانا فهل ارتاح زمن الإبداع وهدأت صولاته على ضفاف نيلنا الخالد .. هناك اسباب كثيرة جعلت الزمان يستريح والأرض تهدأ قليلا ..

اول هذه الأسباب ان مصر لم تعد كما كانت حاضنة للمواهب والقدرات بل ان الأرض التى انجبت هذه الأسماء قد تنكرت كثيرا لمن جاءوا بعدهم ..

لم تعد الثقافة المصرية بشموخها القديم واصبحنا نتحدث عن الماضى وكأننا غرقنا فيه لقد فقد المجتمع المصرى إحساسه بقيمة الثقافة ودور المثقف واهمية الإبداع بل ان المثقف المصرى اصبح الآن فى آخر القائمة امام قراصنة المال وسماسرة الاراضى وتجار السلع المهربة وعصابة بيع وشراء الدولار .. ان المثقف المصرى الذى صنع اسطورة مصر الثقافية ودورها فى مصر وخارجها اصبح الآن يشكو ضيق الحال وتنكر مؤسسات الدولة, فكم من مريض لم يجد العلاج والرعاية وكم من راهب فى محراب العلم لم يجد مكانا فيها وكم من فنان مبدع ضاع فى زحام الغوغائية والقبح والتجاهل .. نحن نعيش زمانا يعادى الثقافة ويفتح كل الأبواب امام كل شىء هابط فى الفكر واللغو والغناء واصبحت القيمة ضيفا ثقيلا على العقول والقلوب ز

< امام هذا المجتمع الذى يرفض الثقافة الرفيعة والإبداع الراقى انسحبت فئة من المبدعين واخذت مكانا بعيدا احتراما لذاتها ودورها .. فى هذا الطريق الموحش كان التعليم من اهم الأسباب التى احاطت بمحنة الثقافة المصرية امام غياب رموزها وصعوبة ظهور رموز جديدة .. كان التعليم من اخطر ظواهر التراجع فى المجتمع المصرى فى السنوات العجاف ابتداء بالدروس الخصوصية ونسب المائة فى المائة ولعبة المجاميع وتسريب الامتحانات والأجيال الجديدة التى تخرجت ولم تقرأ كتابا ولم تسمع اغنية جميلة ولم تشاهد نموذجا للقدوة فى الفكر والسلوك والأخلاق..

امام فساد التعليم فى المناهج كان من الصعب ان تظهر المواهب فى هذا المناخ الذى نسى تماما المسرح والمكتبة وقاعة الموسيقى وخطبة الصباح والنشيد الوطنى وتحية العلم ولم يعد امام اطفالنا الصغار غير لعنة المسلسلات وتفاهة الغناء وتوحش الأصوات وافلام العنف والقتل والإرهاب .

< كان الإعلام يوما واجهة من اهم واجهات الثقافة المصرية فى عصرها الذهبى وقبل ان يدخل التليفزيون البيوت كانت الإذاعة المصرية هى المدرسة والبيت والمسجد والكنيسة وكان فيها الفكر الخلاق والإبداع الراقى والغناء الجميل وبعد ذلك انطلق التليفزيون ليضيف مساحة جديدة من الوعى والفهم والثقافة ولعب المثقفون المصريون دورا كبيرا فى اثراء الفكر العربى والثقافة العربية وكانوا حماة لحصون اللغة العربية التى انتهكتها ازمنة الفوضى والجهل والتراجع .. ان محنة اللغة العربية الآن واحدة من اخطر الظواهر التى اساءت للثقافة العربية وسوف نحتاج زمنا طويلا حتى تعود الى مسارها القديم ابداعا وكلاما وفكرا .

كانت موجات الإسفاف التى اقتحمت بضراوة الإعلام العربى والمصرى بصفة خاصة من اخطر الأسباب التى ادت الى تراجع دور مصر الثقافى داخليا وخارجيا من خلال الإعلام كنا نصدر للعالم العربى اجمل وارقى ما فينا فى السلوك والأخلاق وفى المستوى والقيمة رقيا وابداعا وانفض الجميع عنا حين استبدلنا القيمة بالفوضى فى الغناء كنا نغنى الأطلال واصبحنا نغنى بحبك يا حمار وفى الفكر كنا دعاة وعى واستنارة واصبحنا نحتفى بالعفاريت وشطط الأدعياء وفى الفنون كانت السينما المصرية غذاء للأرواح واصبحت اشباحا تطارد الأطفال فى نومهم . وحين انقضى عهد الكبار جلسنا نتساءل واين نقادنا الكبار رعاة الفكر والإبداع ووجدناهم يترنحون امام ظواهر الشطط والفوضى وحملتهم مستنقعات السياسة بكل ما فيها من ظواهر الخلل فأفسدوا السياسة والإبداع معا .

< لاشك ان وجود المبدعين الكبار فى حديقة الثقافة المصرية كان يمثل حائط صد ضد عشوائيات الفكر وتخلف الرؤى ومع رحيل الكبار ظهرت فى الحديقة جرذان صغيرة شوهت صورة كل ىء وقدمت الثقافة المصرية للعالم فى ملامح جديدة مشوهة فى لغتها واسلوبها وقضاياها واصبحنا نتجادل ونتحاور حول بديهيات لا محل لها من الإعراب, ان رحيل الكبار كان اكبر محنة تواجهها الثقافة المصرية خاصة اننا نسينا هذه الأسماء وكأنها لم تكن بيننا ولم تشارك فى إضاءة العقل العربى والخروج به من متاهات الظلام والتخلف ..

حين غاب الإبداع الجميل والنقد الخلاق افتقدت الثقافة المصرية أهم واخطر عناصرها وهو الضمير الأدبى الذى كان يمثل القضاء فى نزاهته وتجرد احكامه وكان من الصعب ان تطل علينا غوغائيات الفكر وتفاهات الإبداع فى ظل الضمير الواعى وحين غاب الضمير تسللت للحديقة اشكال غريبة.

< قد يكون السؤال الأن وماذا نفعل لكى تضىء سماؤنا رموزا جديدة؟! .. ان الزمان اختلف ولم يعد الكتاب سيد الساحة ولكنه سيبقى سيدا مهما طغت وسائل التكنولوجيا الحديثة لأن النت لن يصنع مبدعا كبيرا مثل نجيب محفوظ او عالما فى حجم وعطاء احمد زويل او كاتبا فى قيمة وتاريخ محمد حسنين هيكل ولهذا لابد ان تلعب المدرسة والجامعة وقبلهما الأسرة دورا فى تكوين المواهب الجديدة ورعايتها بعيدا عن صخب وسائل التواصل الاجتماعى التى تقدم كل ساعة مليون شاعر ومليون قصاص ومليون كاتب .. ان المواهب الكبرى لا يمكن ان تنضج وسط هذا الضجيج بعيدا عن الضوابط والقدرات والمواهب الحقيقية .

من هنا لابد ان نفتح المجالات امام تشجيع المواهب من خلال المسابقات بين المدارس والجامعات فى الفكر والفنون بكل انواعها .. كانت العروض المسرحية فى المدارس والجامعات هى اول دروس الإبداع امام اجيال كاملة وكانت احتفالات عيد العلم وعيد الفن فى كل عام تتويجا للفن الحقيقى .

< لا ينبغى ان تقتصر اهتمامات الجامعات المصرية على اهمية التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال وهى ضرورية ولكن الدراسات فى المسرح والموسيقى وقضايا الفكر وتبادل الثقافات اشياء مهمة ولهذا لابد ان تعود البعثات الخارجية كوسيلة لرعاية المواهب. ان نجوم السينما المصرية الكبار والمسرح المصرى والفن التشكيلى والأوبرا كانوا حصاد تلاحم بين الثقافات الخارجية والثقافة المصرية وجميع المخرجين الكبار فى المسرح المصرى درسوا فى فرنسا وايطاليا وروسيا .. وهنا لابد ان تستعيد اكاديمية الفنون دورها وان تتحول الى ساحة لتشجيع المبدعين ورعاية مواهبهم وهذا ايضا دور كليات التربية النوعية التى يتخرج منها مئات الآلاف ولا علاقة لهم بالفن من قريب او بعيد .

هنا ايضا لابد ان تفتح الجامعات ابوابها للحوار بين الأساتذة والطلاب فى كل القضايا ولا ينبغى ان نخاف من الحوار ومن تسلل العناصر الإرهابية الى الساحة لأن فكر الإرهاب يواجه الآن مقاومة عنيفة ليس بالأمن فقط ولكن بالحوار والوعى والإرادة الشعبية .

لا ينبغى ان تنسى مصر محيطها العربى لأنه كان وسيبقى امتدادها الطبيعى تأثيرا وتأثرا وفى العالم العربى الآن موجات جديدة فى الإبداع يجب ان نتفاعل معها هناك مهرجانات جادة وجامعات حديثة واجيال تتابع كل ما يجرى حولها وهذا التفاعل الخلاق يمثل ضرورة من ضرورات المستقبل .. ان محنة اللغة العربية لا تخص مصر وحدها ولكنها ازمة فى كل بيت عربى .. وموجات الإسفاف فى المسلسلات والأفلام والغناء جريمة تشارك فيها كل الشعوب العربية وحالة الانهيار فى السلوك والأخلاق لا تخص مجتمعا دون آخر ولهذا فنحن فى الهم شرق.

تبقى بعد ذلك نقطة اخيرة وهى دور الإعلام فى نشر الثقافة الجادة وتحريك المجتمع وزيادة نسبة الوعى بين المواطنين فى ظل مرض خطير نعانى منه وهو الأمية, ان الإعلام الآن هو الوسيلة الأقدر والأكثر انتشارا وقد أسهم فى تسطيح العقل المصرى وتشويه مسيرة الأجيال الجديدة وعليه ان يصلح ما فسد ويفتح صفحة جديدة لبناء مصر الثقافة والفكر والوعى والريادة .




..ويبقى الشعر


وَحْدِى أنتظرُكِ خلفَ البابِ

يُعانقـُنى شوقٌ .. وحَنينْ.

والنـَّاسُ أمامِى أسرَابٌ

ألوَانٌ ترْحلُ فى عَيْنى

وَوُجُوهٌ تخْبُو .. ثـُم تـَبينْ

والحُلمُ الصّامتُ فى قلبى

يبْدو مَهْمُومًا كالأيام

يُطاردهُ يَأسٌ .. وأنينْ

حُلمِى يترنـَّحُ فِى الأعْماق

بلا هَدفٍ .. واللحنُ حزينْ

أقدامُ النـَّاس علىَ رأسِى

فوقَ الطرقاتِ .. على وجْهى

والضَّوءُ ضَنينْ.

تبدُو عَيناكِ على الجُدران

شُعاعًا يَهَربُ من عَينى

ويعُودُ ويسْكنُ فى قلبى

مثـْلَ السِّـكـِّينْ

أنتظرُ مَجيئكِ.. لا تأتِينْ.

عَيْنى تتأرْجحُ خـَلـْف البَابِ

فلمَ تسمَعْ ما كنْتُ أقولْ.

أصْواتُ الناس على رأسِى

أقدامُ خيُولْ.

ورَنينُ الضَّحَكات السَّكرى

أصْداءُ طبولْ.

وسَوادُ الليل على وجْهى

صَمتٌ وذهولْ.

وأقولُ لنفسِى لوْ جاءتْ!.

فيُطلُّ اليأسُ ويصْفعُنى

تنزفُ منْ قلبى أِشياءٌ

دمْعٌ .. ودماءٌ .. وحنينٌ

وبقايَا حلم .. مقتولْ

مَا كنتُ أظنُّ بأنّ العهْدَ

سرابٌ يضْحكُ فى قلبينْ

مَا كنتُ أظنُّ بأنَّ الفرحة

كالأيام إذا خانتْ.

يَنطفىءُ الضَّوءُ على العَيْنينْ.

أنتظرُ مجيئكِ يشطرُنى قلبى نِصفينْ.

نصْفُ ينتظرُك خلفَ البابِ

وآخرُ يدْمَى فى الجفنينْ.

حاولتُ كثيرًا أنْ أجْرى.

أن أهَربَ منكِ .. فألقانى

قلبًا يتشظـَّى فى جَسَدينْ.

الصَّمْتُ يُحَدّق فِى وَجْهى

لا شَىْءَ أمَامِى.

غَابَ النـَّاسُ .. ومَاتَ الضَّوءُ.

وفِى قلبـِى جَرْحٌ .. ونزيفْ

وأعُودُ ألملِمُ أشْلائِى فوْقَ الطرقاتِ

وأحْملـُهَا .. أطلال خريفْ

والضَّوءُ كسِيٌر فى العَيْنين

خُيولُ الغـُربةِ تسْحقـُنِى.

والصَّمتُ مُخيفْ.

هدأتْ فِى الأفق بقايَا الضَّوءِ

وَقدْ سَكنـَتْ أقـْدامُ النـَّاسْ

وأنـَا فِى حُزنى خلـفَ البابِ

يُحاصُرنِى خوفٌ .. ونـُعَاسْ

مِن أيْنَ أنـَامُ؟

وصَوْتُ الحُزن على رأسى

أجراسٌ تسحْقُ فى أجراسْ

وأنا والغـُربة والأحزَانُ وعيناكِ

وبقايا الكـَاسْ.

واللـَّيلُ وأوْراقى الحَيْرَى.

والصَّمْتُ العَاصِفُ.. والحُرَّاسْ

وأقولُ لنـفـْسِى.. لوْ جَاءتْ.

يَرتـَعِش الضَّوءُ.

وفِى صَمْتٍ.. تخـْبُو الأنـْفاسْ.

مَازلتُ أحدّقُ فِى وَجهى والقلبُ حزينْ.

أجمَعُ أشلائِى خـَلـْفَ البابِ

يُبعثـُرها جُرحٌ.. وحَنينْ

والحُلمُ الصَّامتُ فِى قلبـِى

يَبْكى أحيانـًا كالأطـْفال.

ويسْألُ عَنكِ.. متـَى تأتينْ.

مَتـَى .. تـَأتِينْ. .



قصيدة ِ....«متى .. تأتين ؟» سنة 1996

fgoweda@ahram.org.eg



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا