>

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (162) الفلسفة وتغيير الذهنية مراد وهبة


احتفلت منظمة اليونسكو فى نهاية العام الماضى باليوم العالمى للفلسفة، وهو احتفال تكرره كل عام. وفى ذلك العام أيضاً احتفل قسم الفلسفة بجامعة الكويت بذلك اليوم. وفى هذا السياق هاتفنى الأستاذ الدكتور محمد السيد رئيس قسم الفلسفة لكى أرسل تسجيلاً صوتياً يستمع إليه المشاركون فى بداية الجلسة الافتتاحية وقد كان. وها أنذا أنشر هذا التسجيل الصوتى مكتوباً ولكن فى شىء من التفصيل.

أظن أنه يمكن القول إن القرن الحادى والعشرين هو زمن الجماهير بحكم أنه من افراز الثورة العلمية والتكنولوجية. وقد ترتب على هذا الافراز بزوغ مصطلحات جديدة مثل: ثقافة جماهيرية واتصالات جماهيرية ووسائل اعلام جماهيرية ومجتمع جماهيرى وابداع جماهيرى وانسان جماهيرى وهو الذى يمكن أن يقال عنه إنه رجل الشارع. ومن هنا يلزم أن توظف الفلسفة فى هذا الزمن لتوليد الوعى لدى رجل الشارع حتى يمتنع عن السقوط فى قبضة مُلاك الحقيقة المطلقة الذين يتوهمون أن العقل الانسانى قادر على قنص الحقيقة المطلقة وإجبار البشر على اعتناقها فى حين أن هذا العقل بحكم نسبيته غير قادرٍ على ذلك. والخطورة فى هؤلاء المُلاك أنهم يتهمون أعداءهم بأنهم كفرة فى الحد الأدنى و يستحقون القتل فى الحد الأقصى.

وقد ترتب على هذه الخطورة أن الارهاب أصبح كوكبياً، ومن ثم تكون مهمة الفلسفة فى هذا القرن توليد الوعى لدى رجل الشارع لكى يمتنع عن ممارسة الارهاب، ومن ثم يقف عائقاً أمام هؤلاء الملاك بل يكون دافعاً للحضارة الانسانية فى مسارها العقلانى، بل أنا أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول إن مهمة الفلاسفة فى هذا القرن لا تكمن فى إثارة السؤال عن الوجود الذى بدأ مع أفلاطون فى مبناه المغلق الذى أطلق عليه اسم «الأكاديميا»، إنما تكمن فى إثارة السؤال عن الحقيقة ولكن بشرط أن تتم هذه الإثارة خارج مبنى الأكاديميا لكى تدخل فى حوار مع رجل الشارع على نحو ما كان يفعل سقراط مع فارق أساسى وهو أن حوار سقراط كان يجرى فى السوق الأرضى فى أن الحوار فى القرن الحادى والعشرين يجب أن يتم فى السوق الفضائى حيث رجل الشارع مدمن فى الذهاب إليه ليلياً ودون انقطاع.

وإذا كان شعار سقراط فى سوقه الأرضى «اعرف نفسك» فيجب أن يكون شعار فلاسفة هذا القرن «التزم باعمال عقلك من أجل تحقيق المطلب الوارد فى البند الأول من ميثاق منظمة اليونسكو والقائل» كما أن الحروب تنشأ فى العقل كذلك ينشأ السلام». وفى سياق هذا الميثاق قال أينشتين: «بعد إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناجازاكى تغير كل شىء إلا أسلوب التفكير».

والسؤال إذن: ما هو هذا الأسلوب ؟ إنه كامن فى سبب مولد القنبلة الذرية لازالة التناقض الحاد بين المعسكرين المتحاربين وذلك بإزالة أحد المعسكرين للمعسكر الآخر. وقد أزيل معسكر المحور بقيادة الدكتاتور هتلر الذى كان يعبر عن نقاء الحزب الآرى الذى يمثله الحزب النازى الذى وحده يستحق الحياة، وبالتالى يكون هو وحده المتوهم أن عقله قادر على امتلاك الحقيقة المطلقة.

ومع ذلك فثمة سؤال لابد أن يثار: هل مع زوال الحزب النازى يزول الوهم بامكان قدرة الانسان على امتلاك الحقيقة المطلقة؟

جوابى بالسلب لأن إزالة ذلك الوهم من شأن العقل الناقد. وكان هذا العقل قد وأدته الأصوليات الدينية التى وُلدت فى الربع الأول من القرن العشرين ثم نضُجت فى القرن الحادى والعشرين إلى الدرجة التى أصبحت فيها متحكمة فى مؤسسات كوكب الأرض.

والسؤال اذن: كيف حدث ذلك التحكم؟ لكى تعرف كيف حدث، اقرأ كتاب هيلارى كلينتون المعنون « اختيارات صعبة» الصادر عن دار نشر « هيلارى رودهام كلينتون»، وبالذات الفصل الخاص بالشرق الأوسط وفيه فقرة ملهمة باعتبارها مدخلاً إلى الجواب عن السؤال المثار:«فى عام 2005 جاءت كونداليزا رايس إلى القاهرة وصرحت بالآتى: لأكثر من نصف قرن اختارت أمريكا أن تدور سياستها على الاستقرار وليس على الديمقراطية». وهنا وعدت كرايس بأن هذه السياسة لن يكون لها وجود بعد الآن. وبعد أربع سنوات من ذلك العام ألقى الرئيس أوباما خطابه الكارثى فى قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة دعا فيه إلى ضرورة إحداث إصلاحات ديمقراطية، إلا أنه اشترط دعوة قيادات الاخوان المسلمين إلى الجلوس فى الصفوف الأولى من القاعة لكى يوحى إلى جميع المستمعين – سواء كانوا فى الفضاء الأرضى أو الفضاء الكوكبى- بأن ثمة علاقة عضوية بين الاصلاحات الديمقراطية وضرورة استيلاء الاخوان المسلمين على الحكم. وفى عبارة أخرى يمكن القول إن الرئيس أوباما جاء إلى القاهرة ليعلن ضرورة إحداث «انقلاب أصولى». وفى هذا السياق نشرتُ مقالين فى صحيفة «المصرى اليوم» أحدهما بعنوان « أصولى فى البيت الأبيض» والآخر بعنوان «أوباما أصولى متواطئ». وفى عام 2011 استولى الاخوان على الحكم، أو بالأدق استولت الأصولية الاسلامية على الحكم بأسلوب ديمقراطى اختُزل فى صندوق الانتخاب. والأمر الواقع لم يكن كذلك لأن هذا الصندوق هو صندوق إحصائى بمعنى أنه يخبرك بالنسبة المئوية التى يحصل عليها كل حزب من الأحزاب. أما الديمقراطية ذاتها فهى محصورة فى أربعة مكونات: العلمانية والعقد الاجتماعى والتنوير والليبرالية. ومغزى هذه الرباعية أنه لا ديمقراطية بلا علمانية، وأن صندوق الانتخاب فى هذه الحالة يكون تتويجاً لهذا المغزى. أما إذا تم عزل الصندوق عن هذه الرباعية فإنه يصبح مجرد صندوق احصائى وتكون الدعوة إلى الديمقراطية دعوة زائفة. والفلسفة، فى هذه الحالة، تكون وظيفتها تغيير ذهنية الجماهير من ذهنية أصولية إلى ذهنية علمانية.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا