>

ذهب المالكي وجاء العبادي والدماء تسيل -عوني القلمجي

ذهب المالكي وجاء العبادي والدماء تسيل

الذين يتحدثون اليوم، زورا وبهتانا، عن اصلاحات وتغيرات وتحقيق المعجزات على يد حيدر العبادي و"حكومته الرشيدة"، هم اصلا غير واثقين بما يقولون. فهؤلاء يعتاشون على فتات هذه الحكومات، او "لحم كتافهم من خيرها" كما يقال. اما الذين في نفوسهم مرض الطائفية المزمن، فهؤلاء دوما يمسكون الدفوف ويغنون لقائدهم، حتى تبقى السلطة بيد الطائفة وما ينطوها، على حد تعبير "مختار العصر" المخلوع نوري المالكي. والطائفة بالطبع منهم براء.
هؤلاء بفعلتهم المشينة هذه، انما يزيدون من معاناة العراقيين اكثر فاكثر، فالتطبيل لكل قادم جديد، وخاصة القادم من رحم الاحتلال، ثمنه دماء غزيرة تسيل على مدار الساعة. ومما يزيد الامر سوءا، تمكن هذه الشلة من تحقيق نجاحات، وان كانت محدودة، في الترويج لهذه الحكومة وتسويقها بين عامة الناس، على انها حكومة وطنية وديمقراطية. وسلاحهم في ذلك قيام العبادي ببعض الاجراءات الشكلية او الترقيعية ذات المظهر الاصلاحي، ووجود استعداد لدى فئات واسعة من الناس المغلوبة على امرها للتعلق باي امل، حتى اذا كان بعيد المنال، مثلهم في ذلك مثل الغريق الذي يتعلق بقشة. الامر الذي يدفعنا الى فضح وتعرية هذا الانحطاط السياسي والاخلاقي والقيمي.
الادلة الدامغة والوقائع العنيدة التي في متناول اليد تقول غير ما يقوله هؤلاء المرتزقة. فحيدر العبادي هو الوجه الاخر لسلفه نوري المالكي، كونه جاء من نفس مستنقع الطائفية المتمثل بحزب الدعوة من جهة، ومن ذات المنطقة الخضراء والعملية السياسية العرجاء من جهة اخرى. اما حكومته، فهي لم تشكل من وجوه وطنية ونزيه وكفوءة ومخلصة وتضع الله بين عيونها، وانما ضمت نفس الوجوه المتهمة بالاجرام والسرقة والفساد والعمالة للاجنبي. وفي نهاية المطاف، فالعبادي جاء بامر امريكي وبتنسيق مع ملالي طهران، وعلى رؤوس الاشهاد، ولم يات من وسط المظلومين والمضطهدين أو الغلابة كما يقول المصريون. وبالتالي فان حكومة العبادي لن تخرج من جلباب ابيها المحتل، سواء كان امريكيا او ايرانيا. وهذا يعني بان مهمتها ستشكل حتما امتدادا لمهمات الحكومات السابقة. هنا بيت القصيد ومربط الفرس.
اذا كانت مهمة حكومة اياد علاوي المؤقتة قد حصرت في بذل الجهود من اجل القضاء على المقاومة العراقية، ومهمة حكومة ابراهيم الجعفري في اثارة الفتنة الطائفية، وحكومة المالكي الاولى والثانية التوقيع على اتفاقية الاطار الاستراتيجي والاتفاقية الامنية، التي جعلت من العراق ولاية امريكية بامتياز وقاعدة عسكرية متقدمة، ترى ما هي مهمة حكومة حيدر العبادي في ولايته هذه؟.
كما يبدو لنا جليا، فان العبادي يسير باتجاه وضع مشروع تقسيم العراق موضع التنفيذ، سواء اتخذ هذا المشروع صيغة ثلاثة او اربعة دول لها صفة قانونية، واعتراف دولي، ومقاعد في الامم المتحدة، او اتخذ صيغة اقاليم على غرار اقليم كردستان، اي اقاليم مرتبطة بالمركز من حيث الشكل ومستقلة تماما من حيث الواقع الفعلي. وكل ذلك سيجري تحت ذريعة محاربة تنظيم داعش وبمصاحبة فرقة حسب الله المصرية. ولا يغير من هذه الحقيقة فشل هذا المشروع، او تاجيله، بسبب تغيرات قد تحدث سواء كانت محلية، او اقليمية، او دولية.
هذه الرؤية ليست تخمينا، او قراءة في فنجان، وانما استندت على عدد من الوقائع والاحداث. فعلى صعيد اقليم كردستان، سلم العبادي بجميع مطالب مسعود البرزاني، ومن بين اهمها ضم كركوك وما سمي بالمناطق المتنازع عليها الى الاقليم. وضمن له حصة الاسد من عائدات نفط كركوك وصرف رواتب البيشمركة وتسليحها، بحيث ستصل حصة الاقليم الى حدود 23 بالمئة من الميزانية العامة وليس 17 بالمئة. وبهذه التنازلات المجانية، فان العبادي قد قال للبرزاني، سواء متعمدا او غافلا، الان بامكانكم اعلان دولتكم المنشودة في الوقت الذي تشاؤون.
بالمقابل وعلى الجانب الاخر، فقد انصاع العبادي لطلبات الرئيس الامريكي باراك اوباما حول تشكيل جيش "وطني" في المنطقة الغربية عماده مئة الف جندي، وتدريبه وتسليحه باحدث المعدات، بل وسيصبح هذا الجيش نظاميا بعد موافقة مجلس النواب على تشكيله. عندها سيكون بالطبع عماد الاقليم السني والمدافع الامين عن حدوده. ولاستكمال الغطاء السياسي للاقليم عقدت امريكا مؤتمر للطائفة السنية في اربيل، ليمثل قادة هذا المؤتمر حكومة الاقليم السني المرتقب. عندها سينتهي دور داعش، اما في دحرها عسكريا على يد الجيش "الوطني السني"، او بقبولها الانضواء تحت راية الاقليم والالتزام بدستوره وقوانيه.
في الوسط والجنوب لم يتاخر العبادي في المضي قدما في مشروع تقسيم العراق. حيث قام بشرعنة المليشيات المسلحة والاعتراف بها كجيش رسمي تحت مسمى الحشد الشعبي،والزام المركز بتسليحه وصرف رواتبه وتجهيزاته الخ. ولم تكن دعوة نوري المالكي لحزبه لعقد اجتماع استثنائي، في هذا الوقت بالذات، وحضور العبادي هذا الاجتماع، بعيدا عن هذا المشروع التقسيمي، وانما هو تاكيدا له. حيث جرت مناقشة اقامة اقليم مستقل في البصرة، واقليم للمحافظات الجنوبية والوسط، وهذا يعني تراجع المالكي عن شعاراته، التي دوخ رؤوسنا بها طيلة هذه السنين، حول حرصه الشديد على وحدة العراق. بل اعتبر ان موقفه هذا كان السبب في خسارته الولاية الثالثة.
هذا الانقلاب في موقف المالكي وحزب الدعوة، وتراجعه عن حكم "الشيعة" للعراق من شماله الى جنوبه، يعني تسليمه بالتوجه الامريكي الرافض لانفراد "الشيعة" في الحكم وتهميش الاخرين، وادرك ان احد وسائل الامريكان لتحقيق هذا الهدف هو تقسيم العراق. ولذلك سارع هو وحزيه، والعبادي لنيل حصة الاسد من من الكعكة العراقية. وهذا بمجموعه يفسر وقوف الحشد الشعبي عند حدود سامراء، وسكوت العبادي بالمقابل عن حصر البيشمركة قتالهم لداعش في المناطق الكردية فقط.
دعونا نغير الاتجاه قليلا ونفترض بطلان هذه الاستنتاجات كلها دفعة واحدة. ترى هل هذه الحكومة هي حكومة فعلا وينطبق عليها هذا الوصف؟ ام انها سلطة احتلال؟ واذا سلمنا بها كحكومة، فهل ينطبق عليها وصف الوطنية؟ ام انها عميلة للاجنبي؟ وهل هي ديمقراطية وتسعى لبناء نظام ديمقراطي؟ ام انها حكومة حرامية وفساد وسرقة وارتكاب الجرائم؟. ثم هل يتوافق بناء التجربة الديمقراطية والنظام الديمقراطي مع نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وعشرات الميليشيات المسلحة؟ ثم ماذا عن راعي العملية السياسية، امريكا المحتلة، هل جاءت الى العراق من اجل بناء الديمقراطية وبناء العراق الجديد الذي يفيض لبنا وعسلا ويكون منارة مضيئة بين دول المنطقة كما قالت؟ ام انها جاءت لتدمير البلاد والعباد كما فعلت خلال سنين الاحتلال العجاف؟
وفق المنظور السياسي والاكاديمي، واستنادا الى المعنيين بهذا الشان فالحكومة تعني، كما عرفها، على سبيل المثال لا الحصر، جان جاك روسو، بأنها "هيئة وسيطة بين الرعايا وصاحب السيادة من أجل الاتصال المتبادل بينهما، مكلفة بتنفيذ القوانين وبالمحافظة على الحرية المدنية والسياسية على السواء لأوامر الدولة". وهذا الوصف لا ينطبق، جملة وتفصيلا، على هذه الحكومة، فهي ليست وسيطة بين الرعايا وصاحبة السيادة اي الدولة، فالدولة في العراق هي تحت وصاية امريكا بالكامل، وهي الحاكم الفعلي وليس رئيس الوزراء او رئيس الدولة. ناهيك عن الوصاية الاخرى من قبل ايران. وهذه حقيقة لا ياتيها الباطل، لا من بين يديها ولا من خلفها.
كما انها ليست وطنية، فالوطنية كلمة مشتقة من الوطن او نسبة له، والوطن في كل معاجم الفكر السياسى على أنه دولة مستقلة، ذات سيادة، يقوم على أرض محددة، يسكنها بشر يجمعهم قاسم مشترك هو الانتماء اليه وهذا يسهم فى تجسيد رغبة الاستقلال والسيادة على الأرض التى تغدو وطنا، يعلو على تعدد الأعراق فى الوطن الواحد، وفي المحصلة النهائية تكون الهوية الوطنية التى هى المعادل لوحدة التاريخ والمصالح والمشاعر التى تتكون منها مفاهيم الوطن والمواطنة والوطنية والدولة المدنية على السواء، ترى هل عصابات المافيا والمليشيات المسلحة الذين يحكمون العراق في ظل الاحتلال قد عرفوا، او لنقل ترجموا مثل هذه المفاهيم على ارض الواقع واحترموها ومنحوها القدسية؟ ام انهم اعتبروا يوم احتلال العراق عيدا وطنيا.؟
اما وصف الحكومة بالديمقراطية لانها انعكاس لنتائج الانتخابات، فهذا امر يدعو للسخرية والاستهجان. فبالاضافة الى تمزيق نتائج الانتخابات من قبل الامريكان ورميها في المزابل، فالديمقراطية لا تتحقق في ظل الاحتلال قطعا، ولا تتحقق حتى في البلدان المستقلة اذا لم تضم بين ثناياها طرف حاكم واخر معارض او مراقب على الاقل. ويقول المعنيون بهذه المسالة بانه،إذا ما تم إخفاء أحد هذين الطرفين، فإن ذلك يعني تجاوز على الديمقراطية و تشويه كل مرتكزاتها، وبالتالي فان القول بالشراكة لا تعني الديمقراطية، وانما تعني تقاسم السلطة او الغنيمة.
اما الحديث عن التجربة الديمقراطية وبناء النظام الديمقراطي في العراق، فانه يعد نكتة سمجة، او خديعة كبيرة ينفيها واقع الحال. فلقد اكدت الدراسات والبحوث الأكاديمية الخاصة بهذا الشأن، بان الاحزاب التي تسعى الى اجراء التحول الديمقراطي في ظل بلد مستقل وذات سيادة، وليس بلد محتل، غير قادرة على فعل ذلك ما لم تتمكن اولا، من اجراء تحول بهذا الاتجاه في داخلها، ومن يراجع نشاة وجذور وبنية وتركيبة الاحزاب الحاكمة، فان تغييرا كهذا لن يحصل على الاطلاق، فالاحزاب الرئيسية الحاكمة، اما طائفية حتى النخاع مثل حزب الدعوة ومجلس ال الحكيم، والحزب الاسلامي وجماعة النجيفي والمطلق والعلواني، واما قومية تسعى لاقامة دولتها المنشودة مثل الاحزاب الكردية. يضاف الى ذلك الاختلاف الكبير بين الحديث عن الديمقراطية وبين ممارستها، فعلى الرغم من تبني العديد من دول العالم الديمقراطية في ادارة الحكم، الا انها على ارض الواقع تتلاعب بهذا الشعار وتبتكر الوسائل والاساليب للالتفاف عليه. بمعنى اخر انها تستخدم الديمقراطية كستار لتحقيق مصالحها الذاتية والفؤية الضيقة.
قد يحدثنا البعض عن دور الفرد في التاريخ، وان حيدر العبادي هو ذلك الشخص الذي ادخره القدر لهذا اليوم، فلماذا لا نعطيه الفرصة ونؤيده ونلتف حوله؟.
هنا ينطبق قول الامام علي ابن ابي طالب عليه السلام حين قال للخوراج ردا على اقتراحهم بالاحتكام الى القران " انها كلمة حق يراد بها باطل" وانا اقول للخوارج من احباب القائد نفس الشيء، فجدار الاسمنت المسلح الذي وضعه المحتل في وجه كل من يحاول الاصلاح، لا يمكن احداث تقب ابرة فيه فالعملية السياسية بكل مكوناتها من انتخابات وحكومة وبرلمان ودستور، قد جرى تصميمها بطريقة لا تسمح اطلاقا للقادم الجديد على تغيير قواعدها التي استندت اليها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فان تعديل المواد الواردة في الدستور والتي معظمها ملغومة وتعرقل اي اصلاح او تقدم ومنها مسالة المحاصصة الطائفية والعرقية، وفيما يخص مسالة الاقاليم وكذلك نزع هوية العراق العربية وغيرها، يعد امرا اشبه بالمستحيل في ظل سيطرة الاحزاب الطائفية والانفصالية على الحكومة والبرلمان. فما يسمى بالدستور الدائم فانه يمنع في مادته 123 اي تعديل لاي مادة وردت في "الباب الاول - المباديء الاساسية" والتي تنص على : "لا يجوز تعديل المباديء الاساسية الواردة في الباب الاول الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين وبناءا على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة ايام". ومع ذلك وفي حال تم الاتفاق على اي تعديل، فبامكان ثلاث محافظات الغاء هذا التعديل اذا صوت ثلثي سكانها على ذلك. وبالتالي فالاحزاب الكردية مثلا، والتي تسيطر على ثلاث محافظات اربيل والسليمانية ودهوك، قادرة على نسف اي تعديل يضر بمصالحها القومية. خصوصا تعديل المادة 118 من الدستور التي تعطي الحق لكل محافظة بان تتصرف كدولة مستقلة.
ولكي لا نطيل اكثر فان هذه الظاهرة ليست عراقية او استثناء عراقي، وانما هي سمة العملاء في كل مكان وزمان. وبالتالي على الشعب العراقي العمل بكل وسائل النضال المتاحة السلمية منها والمسلحة لاسقاط هذه الحكومة ودستورها ومعاهداتها الجائرة، والاتيان بحكومة وطنية قولا وفعلا، تعيد للعراق استقلاله وسيادته ووحدته الوطنية وتوظف كل امكانياته لخدمة اهله ليعيشوا بحرية وكرامة تليق بهم، واي مراهنة على احداث تغيير من داخل هذه العملية السياسية، هي مراهنة خائبة لن يكتب لها النجاح.
اللهم احفظ العراق من مشروع التقسيم.
عوني القلمجي
25/12/2014



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا