>

ذكريات من الفن الجميل - فاروق جويدة

ذكريات من الفن الجميل
فاروق جويدة

كتبت يوما مقالا عن الفن الهابط حين بدأت بعض الأشباح تقتحم آذان المصريين، ويومها اتصل بى الموسيقار العظيم محمد عبد الوهاب وقال لى اشعر بوحشة غريبة لأننى لم اعد اسمع صوتا يطربني.. إن أسوأ الأزمنة زمن تغيب عنه المواهب.. ويبدو أن الزمن قرر أن يستريح بعض الوقت.. من يومها وأنا أنتظر صوتا يبهرنى فلا أجد، ولم يعد أمامى غير أم كلثوم وهى تقتحم جدران القبح لتعيد لنا الجمال.. يبدو أن الزمن استراح أكثر من اللازم بل إن الكثير من العصافير غابت وانطلقت علينا أسراب الخفافيش وكل يوم نكتشف مغارة جديدة تتجمع فيها هذه الأصوات الموحشة.. كنا فى زمن مضى نتندر بالكلام الهابط والألحان الساذجة والأصوات الغريبة، والآن نترحم على ذلك كله لأن القادم أسوأ.. حكى لى الأستاذ هيكل قصة حدثت بينه وبين النحاس باشا زعيم حزب الوفد، قال نزلت يوما من مبنى الأهرام القديم فى باب اللوق وفجأة رأيت أمامى النحاس باشا تعانقنا وصافحته بحرارة، فقد كنت أحبه واقدره كثيرا كان أمامنا محل للفاكهة وخرج العاملون فيه بعد أن عرفوا النحاس باشا ورحبوا به ترحيبا شديدا، ووقف صاحب المحل يسأل النحاس باشا إيه الأخبار فقال له «استنى اللى جاى أسوأ»، وضحكنا معا ومضى النحاس باشا فى طريقه ومضيت أنا.. هنا تذكرت كلمة عبد الوهاب أن الزمن أحيانا يستريح وأننا نعيش زمن المواهب الفقيرة فى كل شىء والدليل اننا نتباكى الآن على فنانين من الدرجة الثالثة لأننا لا نجد أمثالهم الآن.. وقد يكون السؤال ما هو الحل.. إن الأزمة ليست صعبة ولكنها تحتاج إلى مؤسسات مسئولة تقدر المواهب وتضعها فى مكانها الصحيح، أما مواكب المتسلقين فهى مثل الحشائش وإن كانت الحشائش أحيانا تطاول أشجار النخيل.. فى الأيام الأخيرة نتحدث كثيرا عن أحوال الغناء وغياب المواهب الحقيقية وهذا الطوفان الذى اقتحم أذواق المصريين بفن الشوارع.. لا شك أن هذه الشوارع هى التى خرجت سيد درويش وعشرات من المبدعين الكبار.. المهم من يبحث عنهم ويرشدهم.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا