>

خيارات نيتانياهو المستحيلة مع إيران - د. محمد السعيد إدريس

خيارات نيتانياهو المستحيلة مع إيران
د. محمد السعيد إدريس


كانت الحرب التى جرى تدبيرها ضد سوريا، إستغلالاً للانتفاضة الشعبية التى تفجرت فى مناطق سورية عديدة (مارس 2011) كصدى لموجة الانتفاضات والثورات العربية فى ذلك الوقت، هى بحق «الفرصة التاريخية» التى كان ومازال قادة الكيان الصهيونى يحلمون بها.

كان الطموح الإسرائيلى من هذه الحرب التى شاركت فيها أطراف عربية وأخرى إقليمية ودولية، فى القلب منها إسرائيل، تهدف إلى إسقاط النظام السورى. هذا السقوط، فى حال حدوثه، كان سيريح إسرائيل إلى الأبد من الخطر الإيرانى الذى يعتبره قادة الكيان «تهديداً وجودياً» لكيانهم، أى تهديد وجود هذا الكيان من أساسه وليس مجرد تهديد أمنه.

وبعد أن تداعى رهان إسقاط النظام السورى مع التدخل العسكرى الروسى المباشر والقوى لدعمه ضد المعارضة والمنظمات الإرهابية المدعومة عربياً ودوليا وإقليميا ، وبعد أن بدأ الجيش السورى فى هزيمة تلك المنظمات واستعادة ما كانت قد نجحت فى السيطرة عليه من أراض سورية، تقلص الطموح الإسرائيلى إلى مطلب إخراج إيران من سوريا ومنعها من تحقيق هدفين إيرانيين كبيرين فى سوريا تعتبرهما إسرائيل مخططا إيرانى لتدميرها؛ أولهما خلق وجود عسكرى إيرانيا بمشاركة مع «حزب الله» وميليشيات أخرى موالية على الحدود الشمالية للكيان الإسرائيلى فى الجولان السورية أملاً فى تحويل هذا الوجود العسكرى الإيرانى فى جنوب سوريا إلى جبهة مواجهة جديدة ضد إسرائيل على غرار الوضع فى الجنوب اللبنانى. أما الهدف الإيرانى الثانى، كما تراه إسرائيل وتريد منعه فهو بناء طريق برى يصل بين طهران وبيروت عبر المرور فى الأراضى العراقية والسورية، كى تصبح إيران قوة تهديد لإسرائيل فى البحر المتوسط. اعتمدت إسرائيل ثلاث سياسات لمنع إيران من تحقيق هذين الهدفين ولإخراجها نهائياً من سوريا هى أولاً الرهان على الوجود العسكرى الأمريكى فى سوريا، وإقناع الإدارة الأمريكية بخطورة ما يمثله الوجود العسكرى الإيرانى فى سوريا على الوجود والأمن الإسرائيلى، ومن ثم إقناعها بالربط بين الانسحاب العسكرى الأمريكى وبين الخروج الكامل للقوات العسكرية الإيرانية من سوريا. وثانياً الرهان على دعم روسى للمطالب الإسرائيلية فى إخراج إيران من سوريا، عبر صفقة مع موسكو تقضى بمقايضة الاعتراف الإسرائيلى بالمشروع الروسى فى سوريا وفى القلب منه الإبقاء على النظام السورى ورئيسه بشار الأسد مقابل التعهد الروسى بإخراج إيران من سوريا، وثالثها القيام بضربات تكتيكية إسرائيلية على مواقع أو قوات إيرانية فى سوريا لجعل خيار بقاء الوجود العسكرى الإيرانى فى سوريا مستحيلا، وذلك عبر تفاهمات لوجيستية مع روسيا لضمان عدم الاحتكاك بين الطيران الإسرائيلى والطيران الروسى فى سماء سوريا.

لذلك كانت صدمة إسرائيل هائلة بقرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا. فجأة وجد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نيتانياهو نفسه عارياً من كل رهاناته، لأنه على يقين بأن إسرائيل غير قادة على الدخول فى حرب منفردة ضد إيران دون دعم أمريكى، أى شن حرب إسرائيلية على الأراضى الإيرانية، لإدراكها أن الرد الإيرانى سيكون تهديدا خطيراً للوجود الإسرائيلى، وكان رهانه يقوم على خيار إبعاد إيران من سوريا بضغوط أمريكية، من هنا باتت روسيا هى الخلاص الوحيد الباقى لإسرائيل ومن هنا أيضاً جاء الإصرار الإسرائيلى على زيارة رئيس الحكومة بنيامين نيتانياهو لموسكو.

كان مقرراً أن يزور نيتانياهو موسكو الأربعاء (20/2/2019) لكن الزيارة تأجلت لأسباب غير معلنة وذُكر أن نيتانياهو أكتفى بمكالمة هاتفية مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، لكن نيتانياهو أصر على الزيارة التى تمت بالفعل يوم الأربعاء التالى (27/2/2019)، وكان نيتانياهو قد أعلن فى مستهل جلسة حكومته الأسبوعية الأحد (24/2/2019) أنه سيزور موسكو الأربعاء، وتعمد أن يرد على البريجادير على شمخانى الأمين العام لمجلس الأمن القومى الإيرانى وتصريحاته التى قال فيها أن إيران حققت 90% من أهدافها فى سوريا وأن الاعتداءات الإسرائيلية «لم يكن لها أى تأثير إستراتيجي.. والمقاومة تقدمت فى مهمتها». وقال نيتانياهو رداً على هذه التصريحات: «لدى رسالة واضحة إلى النظام الإيرانى الذى يريد تدمير إسرائيل: سنواصل العمل وفقاً للحاجة من أجل صد التموضع العسكرى الإيرانى فى سوريا». ذهب نيتانياهو إلى موسكو فى زيارة اعتبرها «مصيرية»، لكن صدمة نيتانياهو فى موسكو كانت هى الأخرى مصيرية، لأن استجابة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين لمطالبه بإبعاد إيران عن سوريا كانت استجابة «وهمية» أو «مخادعة» لا هى نعم، ولا هى لا، فقد اقترح بوتين تشكيل «مجموعة عمل لإخراج كل القوات العسكرية من الأراضى السورية». وكشف مسئول إسرائيلى بارز حضر اللقاء عن أنه «تم اتخاذ قرار بتشكيل فريق عمل بمشاركة روسيا وإسرائيل وعدد من الدول الأخرى لدراسة مشاركة إبعاد القوات الأجنبية من سوريا». أى أن المسألة دخلت إطار «التعميم» بالدعوة إلى إخراج كل القوات وليس فقط القوات الإيرانية، أو الربط بين خروج القوات الإيرانية بخروج كل القوات الأجنبية.

ولمزيد من التعميم أفاض الرئيس الروسى باستعراض المتطلبات اللازمة لتحقيق هذه المهمة بقوله: «فيما يخص مجموعة العمل فإن الفكرة تتلخص فى تشكيل هيكل عملى يتعامل مع التطبيع النهائى للأوضاع (فى سوريا) بعد القضاء على آخر بؤر الإرهاب»، كما اشترط أن يضم هذا الهيكل المقترح «جميع الأطراف المعنية وقبل كل شىء الجمهورية العربية السورية بالتأكيد وقيادة الجمهورية العربية السورية، والمعارضة، وبلدان المنطقة، وجميع المشاركين فى هذا الصراع». كما اشترط أيضاً أن يكون تشكيل هذا الهيكل أو مجموعة العمل «مرتبطاً بسحب جميع القوات العسكرية من سوريا، والاستعادة الكاملة للدولة السورية، والحفاظ على وحدة أراضيها». بوتين يشترط المستحيل للاستجابة لمطلب نيتانياهو، لكن المستحيل الأهم هو النتائج المتوقعة لزيارة الرئيس السورى بشار الأسد لطهران ولقائه بالقيادة الإيرانية فى أول زيارة له خارج سوريا منذ تفجر الحرب فى بلاده باستثناء روسيا (الاثنين 25/2/2019، أى قبل زيارة نيتانياهو لموسكو بيوم واحد)، وهى زيارة تقول أن إيران ستبقى فى سوريا بقرار سورى، ما يؤكد أن إسرائيل لم يعد أمامها للتصرف مع إيران غير الخيار المستحيل، أى الحرب الشاملة .. فهل تستطيع؟!.. هذا هو التحدى الذى يواجه إسرائيل كلها وليس رئيس حكومتها أمام «الخطر التاريخى» وليس الفرصة التاريخية التى مازالت تحلم بها.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا