>

حول مفاجأة المعارضة للنظام السوري في دمشق - رأي القدس

حول مفاجأة المعارضة للنظام السوري في دمشق
رأي القدس

بعد يوم واحد من إعلان قائد «حزب الله» حسن نصر الله أن «يوم الانتصار الكبير يقترب» وأن «مقاتلي المؤامرة المسلحة ضد سوريا قد هزموا» فاجأت المعارضة العسكرية السورية النظام وحلفاءه اللبنانيين والإيرانيين في عقر داره، العاصمة دمشق، منطلقة في هجوم مباغت وعنيف من أطراف حيّ جوبر شارك فيه آلاف العناصر، ما أدّى، حسب مصادر المعارضة على الأرض، إلى تدمير غرفة عمليات النظام وانهيار دفاعاته.
تعيد العمليّة إلى الأذهان بدايات الثورة السورية حين حاول المتظاهرون الوصول أكثر من مرة قادمين من أطراف دمشق الريفية إلى منطقة العباسيين، وهي تطلّ على أحياء غنيّة ومختلطة طائفيّاً (القصّاع والتجارة والعدوي)، وكانت قوّات الأمن والجيش السورية تواجههم بالرصاص والقنص والقصف، وهو ما سجّل دافعاً أوّلياً لاتجاه الثورة السورية نحو شكلها المسلّح اللاحق.
شهدت المواقع التي تهاجمها المعارضة حاليّاً، بعد ذلك، جولات عديدة كانت تعرّض أمن النظام للخطر الشديد، لكنها كانت تتوقّف أحياناً لأسباب عسكرية، أو نتيجة إيعازات من «حلفاء» المعارضة العرب بعد ضغوط أمريكية شديدة، إلى أن انتهى الحال بالطرفين إلى قبول ما يشبه الحدود لسيطرة كل طرف فيما استمرّ النظام بجولات القصف الجوّي التي لا تنتهي، والتي تمنع تحويل الأمر الواقع العسكري إلى حالة طبيعية، وقد تمّ «تشريع» هذا الوضع من خلال اتفاقات «مصالحة»، كما هو الحال في حي برزة، او اتفاقات وقف إطلاق نار، كما هو الحال في حيي تشرين والقابون.
تجيء العمليّة الكبيرة بعد محاولات النظام للتقدم في محوري برزة وتشرين حيث سيطرت على شارع رئيسي يربط الحيين الواقعيين في شرق دمشق وهو ما يمهد لعزل حيّ برزة، لكن رد المعارضة، لو تم تثبيته، يفتح حيّي جوبر والقابون الكبيرين على بعضهما ويوقف حصارهما معا.
تثبت العمليّات الأخيرة، مجدّداً، إمكانية ضعضعة سيطرة النظام وحلفائه على الأرض، رغم السيطرة الجوية والقوّة الناريّة والبشرية الكبيرتين اللتين يتمتع بهما، ولكنّها تثبت أيضاً ضعف القرار المركزيّ للمعارضة السورية، فـ»ملحمة حلب الكبرى» التي شهدت تحرير مناطق شاسعة وإخراج النظام من كليّات عسكرية محصّنة في الراموسة وغيرها، لم تتزامن مع هجمات أخرى في دمشق ودرعا وحماه وإدلب، حيث تتواجد قوّات كبيرة للمعارضة، بحيث تتشتّت جهود النظام العسكرية ولا يستطيع التركيز على جبهة واحدة، وهو الذي حصل وأدّى إلى كارثة كبرى في حلب، وقبلها داريّا وغيرها.
على الصعيد الإعلامي، ورغم الجرائم الهائلة التي ارتكبها النظام على مدى ست سنوات والمثبتة بالأفلام والصور والوثائق دوليّاً، فقد صار واضحاً أن الوزن الإعلامي للمعارضة على الساحة الدولية قد تراجع نتيجة التعقيد الكبير للوضع السوري، والتداخل الإقليمي الكبير، وتشرذم المعارضة وصعود اتجاهات متطرّفة داخلها، وفوق كل ذلك الجهد الإعلامي المنظّم، ليس للنظام وحلفائه والاتجاهات اليمينية المتطرّفة في الغرب فحسب، بل كذلك على أطراف محسوبة على الثورة السورية صار شغلها الشاغل تضخيم دور «جبهة النصرة» في أي معركة أو حصار لوصم المعارضة السورية، كلّها، بالإرهاب.
رغم الطابع المفاجئ والمؤلم لقوات النظام في دمشق، فإن المسار العامّ للثورة السورية يشير إلى خلل كبير في استراتيجية المعارضة، سياسياً وعسكريّا، يساهم فيه عدم وجود غطاء إقليمي فاعل ومؤثّر، كما هو الحال مع التحالف الروسي ـ الإيراني المساند للنظام، وهو ما أدّى ويؤدي إلى تراجعات جسيمة للمعارضة وانحسارات عن مناطق حافظت لسنوات طويلة عليها، وكذلك إلى تراجعات سياسية شهدنا فصولها بين مباحثات جنيف 1 وجنيف 4.
من جهة أخرى، فإن سنوات الثورة، وخوض النظام المريع في الدماء السورية، وتنازلاته المهينة لروسيا وإيران، لم يبق منه سوى الهيكل الشكليّ لدولة فاشلة وأشلاء نظام وراثيّ قروسطي بشع، وكل محاولات «بعثه» من موته الافتراضيّ ستتكلل بالفشل.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا