>

حرب العقوبات الأمريكية ضد روسيا وإيران - مصطفى السعيد

حرب العقوبات الأمريكية ضد روسيا وإيران
مصطفى السعيد


صوبت الولايات المتحدة سلاح العقوبات الاقتصادية باتجاه روسيا وإيران وكوريا الشمالية، وأصدر الكونجرس مشروع قانون تفعيل أوسع عقوبات ضد الدول الثلاث، وسيكون من الصعب على الرئيس ترامب استخدام حق الفيتو لوقف تنفيذه، حتى لا يزيد من قوة الحملة التى تتهمه بالتعاون مع روسيا فى التأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية التى جاءت به إلى المقعد البيضاوي.

الغضب الروسى جاء مدويا، فقد وصف الرئيس بوتين العقوبات بأنها خطوة وقحة، ودليل على مضى الولايات المتحدة فى سياستها العدوانية، التى لا تحترم القوانين والاتفاقيات الدولية، وتعهدت موسكو باتخاذ تدابير عقابية مماثلة فى مواجهة العقوبات، ووصف بوتين إصرار أمريكا على اتهاماتها لروسيا بالتدخل فى انتخابات الرئاسة الأمريكية بأنها «هيستريا»، وقال إنها ناجمة عن الصراعات داخل الدوائر الأمريكية لكن السؤال المهم يتعلق بمدى فاعلية العقوبات. لكن السؤال الذى يشغل الجميع هو هل يمكن لواشنطن أن تحقق بالعقوبات ما عجزت عن تحقيقه بالتلويح بالقوة العسكرية، وأن تؤتى ثمارها بتغيير سلوك الدول الثلاث، وتعيد لأمريكا هيبتها؟

العقوبات الأمريكية تتضمن وضع قائمة سوداء بشخصيات وشركات، تمنع الشركات والبنوك والسلطات الأمريكية من التعامل معها، وتضغط على حلفائها لاتخاذ قرارات مماثلة، لتضفى على قراراتها صفة الدولية، لزيادة تأثيرها وقوتها.

استهدفت دوائر صناعة القرار الأمريكى تحقيق هدفين من إصدار الكونجرس قانون العقوبات ضد روسيا وإيران وكوريا الشمالية، الأول هو الضغط على روسيا أو معاقبتها على الوقوف ضد المصالح الأمريكية فى سوريا وأوكرانيا، بالإضافة إلى دفع ترامب إلى الصدام مع بوتين، وتخريب العلاقة التى كان ترامب قد وعد بإصلاحها بين واشنطن وموسكو أثناء حملته الانتخابية، وإحلال التعاون بدلا من الصدام فى مجال مكافحة الإرهاب والأزمة السورية.

إيران لم تتفاجأ بوضعها فى قائمة العقوبات، فقد تعهد ترامب بالتراجع عن الالتزامات الأمريكية برفع العقوبات الواردة فى الاتفاق النووي، الذى وصفه بالاتفاق الأسوأ فى تاريخ الولايات المتحدة، وتزامن إصدار الكونجرس قانون العقوبات مع إعلان إيران عن إنجازات أثارت المزيد من الغضب الأمريكي، فقد نشرت منظومة صواريخ «الصياد» المضادة للطائرات أنتجتها محليا، وهى منظومة متطورة وفعالة يمكن تزويد سوريا والعراق وحزب الله بها، وافتتاح محطة فضائية، بها منصة إطلاق صواريخ إيرانية إلى الفضاء، جرى تجربتها بإطلاق قمر صناعى أنتجته إيران.

أما كوريا الشمالية فهى غير مكترثة بالعقوبات الأمريكية، لأن واشنطن استنفدت كل ما فى جعبتها من عقوبات ضد بيونج يانج، وتواصل كوريا مناورات إطلاق صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية يصل مداها إلى الولايات المتحدة، مصحوبة بتهديدات كورية لأمريكا بالإنتفام إذا حاولت المساس بأمنها.

الإفراط الأمريكى فى استخدام العقوبات قد يلحق بها ضررا كبيرا، فمنع التعامل الاقتصادى مع كثير من الدول والشركات يحرمها من فرص تجارية واستثمارية، تستفيد منها دول أخرى، وربما يعزز إرادة الدول المستهدفة بالعقوبات فى تشكيل تحالفات اقتصادية معادية للولايات المتحدة، وأبدت كل من فرنسا وألمانيا الاستياء من العقوبات الأمريكية، ورأت أنها تزيد الأمور تعقيدا، وتنتهك الاتفاقيات والقوانين الدولية، وهو ما يعنى أن أوروبا لن تسير فى ركب القرارات الأمريكية الأحادية، ولهذا لن يكون لها القوة الكافية للتأثير، بل ستزيد من الفجوة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.

اللافت أن العقوبات تزامنت مع إعلان الولايات المتحدة وقف مساعداتها العسكرية لجماعات المعارضة السورية، والذى عكس اليأس الأمريكى من قدرة هذه المعارضة عن تحقيق أى كسب فى الميدان، حتى إن الجيش السورى يتحرك بثقة لاستكمال سيطرته على الحدود السورية العراقية، بينما الجماعات المسلحة تتقاتل فيما بينها فى إدلب والغوطة الشرقية، ويعانى التحالف الدولى بقيادة أمريكية من انقسامات حادة، كشفت عنها الأزمة القطرية، وعجزت أمريكا وأوروبا عن احتوائها، وقد تجد واشنطن فى العقوبات أداة تعوض ضعف تأثيرها على مجريات الأمور فى المنطقة.

لا يبدو أن الاقتصاد الأمريكى قادر على التعافى من أزماته، فالمؤشرات تؤكد أن العجز فى الميزان التجارى الأمريكى سيزداد رغم وعود ترامب، كما لم تحقق العقوبات الأمريكية السابقة ضد الدول الثلاث أى نتائج ملموسة فى تغيير سياسات هذه الدول، بل جاءت بنتائج عكسية، واتجهت روسيا إلى تعزيز علاقاتها بدول البركس وتجمع شنغهاي، وتمكنت إيران من تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادى بالاتجاه لتطوير قدراتها الذاتية فى المجالات الصناعية، خاصة الصناعات الحربية، بينما كوريا الشمالية لا تكاد تربطها بالولايات المتحدة أى علاقات اقتصادية، معتمدة بشكل أساسى على ارتباطها القوى بالصين، ولا يمكن للصين التخلى عن كوريا فى ظل التهديدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية، وهو ما يعنى أن العقوبات لن تكون سوى أداة توتر جديدة، لن تجنى من ورائه الولايات المتحدة إلا المزيد من الإصرار على إنهاء الهيمنة الأمريكية، وتكريس تعددية الأقطاب، التى لن تعرقلها سياسات العقوبات أو نشر المزيد من القوات الأمريكية، بل إن فشل العقوبات فى تحقيق أهدافها سيشكل ضربة جديدة إلى الهيبة الأمريكية المتداعية.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا