>

ترامب يحطم المقدسات الأمريكية - مصطفى السعيد

ترامب يحطم المقدسات الأمريكية
مصطفى السعيد

تتوالى ضربات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بلا رحمة على رأس المقدسات الأمريكية، وفي أقل من أسبوع قرر ترامب الانسحاب من المجلس الدولي لحقوق الإنسان، ووصفه بالنفاق والانحياز ضد إسرائيل، لمجرد إصداره بيانا يدين الانتهاكات الإسرائيلية ضد شعب فلسطين، وقبل أيام كان ترامب قد اتخذ قرارا صادما آخر، وهو انتزاع أطفال المهاجرين غير الشرعيين من عائلاتهم، وإيداع 2300 طفل معسكرات إيواء أشبه بالسجون، لتندلع المظاهرات، ويضطر ترامب إلى التراجع عن فصل الأطفال عن ذويهم، ليقرر وضع ذويهم معهم في الأقفاص. يبدو أن ترامب يتباهى بأنه محطم الأصنام الأمريكية المسماة بـ «القيم الأمريكية» لأنه رآها بلا جدوى، ومجرد شكليات أصبحت عبئا عليه، وإن كان سابقوه قد استخدموها طويلا كرموز للقيم الأمريكية، باعتبار الولايات المتحدة حاملة راية الحريات في العالم، وهو الوهم الذي يصر ترامب على نزع قناعه، وأن يسمي أفعاله بمسمياتها دون مواربة أو تجميل. ومنذ اندلاع الثورة الفرنسية، كانت الرأسمالية العالمية تتباهى بشعار «دعه يعمل .. دعه يمر»، ومع انتقال مركز القيم الرأسمالية من فرنسا إلى الولايات المتحدة، مثلما تم نقل تمثال الحرية، ظلت الولايات المتحدة تتباهى بأنها حاملة راية الحريات، لكن ترامب وجه أقوى طعناته إلى قدس أقداس الرأسمالية العالمية وهي «حرية التجارة»، ولا يمر أسبوع إلا ويصدر فرمانا بفرض رسوم جمركية على قائمة كبيرة من السلع المستوردة، وشملت القوائم السلع القادمة من الصين وروسيا وأوروبا وكندا والمكسيك، والقوائم في توسع مستمر، فكلما ردت دولة بقرارات مماثلة ضد الواردات الأمريكية، أسرع ترامب بمعاقبة تلك الدولة بمزيد من الإجراءات العقابية، حتى باتت التجارة الدولية في خطر شديد، لكن ما لا يدركه ترامب أو ربما يتجاهله فإن التجارة الدولية أصبحت شديدة التعقيد، فلا توجد سلعة لها منشأ واحد، فالهاتف المحمول أو السيارة قد تشترك عدة دول في إنتاجها، وتتخصص كل دولة في إنتاج جزء منها، وهو ما أثار ارتباك ترامب عندما تقدمت شركة آبل الأمريكية باحتجاج على فرض رسوم على الواردات الصينية، وقالت إن هواتفها المحمولة يجري تجميعها وتصنيع بعض أجزائها في الصين، ولم تكن شركة آبل هي الوحيدة بل إن شركات أمريكية عديدة لها استثمارات وفروع في الصين والمكسيك وكندا وأوروبا، أي أن ترامب ضرب بهراوته مجموعة شركات أمريكية مهمة وهو يظن أنه يحمي المنتجات الأمريكية، فلم يعد ممكنا التمييز بين جنسيات السلع في عصر الشركات العابرة للقوميات، وكأن ترامب يريد إعادة صياغة العولمة لتتناسب مع مصالح أمريكية خالصة في أكثر البلدان الرأسمالية توسعا وتشابكا مع الأسواق العالمية.

إن الحرب التجارية التي يشنها ترامب ضد العالم تطال قسما لا يستهان به من رجال الأعمال والشركات الأمريكية المنخرطة في العولمة، ولا يسلم القسم الآخر من الرأسمالية الأمريكية من طعنات ترامب، فالقيود على الهجرة تمنع الشركات الأمريكية في الداخل من العمالة الماهرة والرخيصة القادمة من دول العالم الثالث، والتي تحتاجها لكي تتمكن من منافسة الشركات المنتجة للسلع الأجنبية الأرخص سعرا، وهو ما يعني أن هراوة ترامب الطائشة تضرب في القلب الأمريكي قبل أن تمس باقي دول العالم التي يراها طامحة لإزاحة الولايات المتحدة عن عرش العالم.

إذا كان الرئيس الأمريكي قد أراد نقل معاركه الداخلية إلى الخارج، والهروب إلى الأمام من الأزمات التي تلاحقه منذ الإعلان عن فوزه في الانتخابات، فإن السهام التي يطلقها على الخارج ترتد سريعا إلى الأراضي الأمريكية، وتصيب المصالح الأمريكية قبل أن تنال من خصومها، ويبدو ترامب وكأنه يقود قاطرة ضخمة وسريعة في مناطق وعرة لا يعرف تضاريسها، ليثير هلع العالم من القيادة الطائشة، بينما يكتفي بالتحذير والصياح: «أفسحوا الطريق». إن عقلية تاجر التجزئة التي يتسم بها ترامب لا تعرف حجم ما بذلته الولايات المتحدة طوال عقود طويلة من أجل حياكة أثواب الحرية الاقتصادية وحقوق الإنسان وحماية الأطفال والأقليات، والتي كانت بمثابة القوة الناعمة الأكثر ترويجا للنموذج والقيم الأمريكية التي يطيح بها ترامب باستخفاف شديد وكأنها زوائد ضارة تعرقل سير قاطرته المخيفة، ولا يجد سوى رئيس الوزراء الإسرائيلي نيتانياهو يصفق بفرح، ويصيح مؤيدا لخطوات ترامب، مشجعا لأن يمضي قدما «إلى الأمام»، لكن ترامب ونيتانياهو لا يدركان أن القاطرة الأمريكية تسير في الإتجاه المعاكس، ولن يمر وقت طويل حتى تصطدم أو تنقلب، وأن العالم سيتجاوز حالة الذعر من القاطرة المنفلتة بلا كوابح، والتي يظنها ترامب أنها قادرة على إثارة الخوف، وتمنحه شعورا بالقوة وهو يشاهد الجميع يهرولون لتجنب قاطرته المنفلتة، لكنه سيدرك بعد فوات الأوان أن سياسة إثارة الرعب لن تجني سوى المزيد من الأعداء، وأن قاطرته المنفلتة لن تغري أحدا بالسير خلفها طويلا، لكن الخوف الحقيقي هو أن تدوس قاطرة ترامب الكثير من الضحايا قبل أن تتوقف.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا