>

تداعيات ما بعد هدنة الغوطة - د. محمد السعيد إدريس

تداعيات ما بعد هدنة الغوطة
د. محمد السعيد إدريس

بكل المقاييس يمكن اعتبار القرار الذى صدر عن مجلس الأمن الدولى السبت الماضى بإجماع الأعضاء إنجازا إنسانيا كبيرا لوقف مسلسل إراقة الدم الرهيب فى غوطة دمشق وغيرها من المناطق الملتهبة فى سوريا، وما أكثرها. احتاج صدور هذا القرار ثلاثة أيام كى يرى النور، وجرى تحميل المسئولية عن هذا الإرجاء لروسيا التى كانت لها تحفظات ومطالب على المشروع الذى كانت أعدته الكويت والسويد، بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية لوقف القتال لمدة شهر بهدف إيصال المساعدات الإنسانية بشكل منتظم إلى الغوطة وإجلاء طبى للمرضى والمصابين.

كان واضحا خلال الأيام الثلاثة التى سبقت التصويت على القرار وجود انقسام واضح وحاد بين موقفين. الموقف الغربى الداعى إلى «وقف فورى لإطلاق النار دون شروط وفرض هدنة فورية لمدة شهر» دون أى ذكر لتعريف من هى الأطراف المتصارعة فى الغوطة ولماذا تتصارع؟ كانت الولايات المتحدة الأمريكية تقود هذا الموقف بدعم قوى من بريطانيا ومساندة من فرنسا.

على الجانب الآخر كان الموقف الروسى الداعى إلى وقف إطلاق النار ولكن بشروط تتعلق بالأطراف المتصارعة فى الغوطة وتكشف بعض خلفيات الصراع الذى لم يعلم عنه العالم غير شىء واحد هو أن الجيش السورى ـ مدعوما من روسيا ـ وباقى الحلفاء يقصفون بضراوة المدنيين فى الغوطة الشرقية. كان الموقف الروسى يحاول كشف بعض معالم الصراع التى جرى إخفاؤها عمدا، والتكتم عليها بالتركيز فقط على الجانب الإنسانى. فقد تركزت المطالب الروسية على إجراء تعديل ينص على أن «العمليات العسكرية ضد تنظيمات داعش والنصرة وكل من يرتبط بها لن تكون مشمولة بوقف الأعمال القتالية». هذا الأنقسام بقى ثلاثة أيام سقط خلالها مئات القتلى وربما آلاف الجرحى والمصابين من المدنيين، ولم يقل أحد إن الولايات المتحدة والدول الغربية فى مجلس الأمن كانت تدافع بضراوة عن التنظيمات الإرهابية المتركزة فى الغوطة والتى تفرض سيطرتها عليها وتتعامل معها كمنطقة نفوذ خارج سيطرة الدولة السورية. لم يقل أحد إن هذه الدول الغربية ودولا أخرى خاصة تركيا ودول عربية هى من يدعم هذه التنظيمات ويدافع عنها ويمولها، وإن هذه الدول ظلت تماطل ثلاثة أيام كى يصدر القرار دون التعديلات الروسية بهدف حماية هذه التنظيمات ومنع الجيش السورى من تحرير الغوطة. كل ما كان يقال هو إن روسيا تعرقل صدور قرار إنسانى من مجلس الأمن يضع نهاية لجرائم إراقة الدماء، دون إشارة إلى أن هؤلاء المدنيين القتلى والمصابين تحولوا إلى دروع بشرية لتلك التنظيمات الإرهابية، وأن هذه الدول كانت تريد هدنة الشهر التى نص عليها القرار لإعادة ترتيب أوضاع هذه التنظيمات. هذه المواقف لها علاقة مباشرة بما يجرى الترتيب له لمرحلة ما بعد أنتهاء هذه الهدنة، والتى كان قد سبقها تصعيد خطير أمريكى وتركى وإسرائيلى قبل أيام من تفجر أحداث الغوطة.

فتركيا دفعت بقواتها إلى سوريا مجددا تحت عنوان «غصن الزيتون» لمنع الميليشيات الكردية من التأسيس لكيان كردى مستقل عن الدولة السورية فى الشمال تراه خطرا على أمنها القومي، والواضح الآن أن تركيا تريد أن تحصل على نصيبها من «الكعكة» السورية. وإسرائيل، بعد صدمتها فى معارك يوم السبت 10 فبراير الحالى مع الجيش السورى وخسارتها إحدى طائراتها المتطورة صعدت من موقفها وقررت على لسان رئيس حكومتها بنيامين نيتانياهو أن تكون المواجهة ابتداءً من الآن مع إيران وليس فقط مع وكلائها سواء حزب الله أو الجيش السوري. نيتانياهو أعلن ذلك أمام قادة العالم فى مؤتمر ميونيخ للأمن يوم الأحد (18/2/2018) بقوله فى حضور وزير الخارجية الإيرانى محمد جواد ظريف «سنتحرك ضد إيران إذا لزم الأمر وليس فقط ضد وكلائها» وختم حديثه المطول بالقول: «لدى رسالة للطغاة».. لا تختبروا عزم إسرائيل».

أما الولايات المتحدة التى فرضت سيطرتها على منطقة شرق الفرات المجاورة للحدود العراقية وتحالفت مع ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطى الكردى السوري، وأعلنت أنها ستشكل جيشا من هذه الميليشيات لحماية الحدود مع تركيا والعراق، أى حدود ما يمكن اعتباره «اقليم حكم ذاتى كردي» قررت أن تغير سياستها جذريا فى سوريا، فبدلا من اعلانها على لسان وزير دفاعها جيمس ماتيس فى 16 يناير الماضي، فى ذروة أزمة الصواريخ الحوثية التى أطلقت على العاصمة السعودية، أن تلك الأزمة «لا تستدعى ردا عسكريا الآن»، عادت وغيرت موقفها وقررت أن ترد وبعنف على محاولة اختراق قامت بها قوات شعبية تابعة للجيش السورى عبر نهر الفرات لإحدى قواعد الميليشيات الكردية فى دير الزور. جاء هذا الهجوم ترجمة للاستراتيجية الأمريكية الجديدة الآخذة فى التبلور والتى تهدف إلى تجاوز معادلة تفوق القوة التى فرضتها روسيا وحلفاؤها فى سوريا، واعادة فرض الولايات المتحدة طرفا فاعلا ومحركا للأحداث فى سوريا، وفقا للخطة أو المشروع الأمريكى الجديد الذى عرض له السفير ديفيد ساتر فيلد مساعد وزير الخارجية الأمريكى لشئون الشرق الأوسط خلال اجتماع عقده فى واشنطن (11/1/2018) بحضور ممثلين عن «مجموعة سوريا» الأمريكية، وهى الخطة التى تستهدف تقسيم سوريا وفصل الشرق السورى وشمال الشرق السورى عن البلاد. كما أبلغ ساتر فيلد الحضور أن الإدارة الأمريكية خصصت أربعة مليارات دولار سنويا للإبقاء على حضور عسكرى قوى فى سوريا، سيتم إنفاقها على توسيع القواعد العسكرية الأمريكية فى الأراضى التى يسيطر عليها الأكراد خاصة فى الرميلان فى أقصى الشرق السورى وفى عين العرب (كوباني) على خط الحدود السورية ـ التركية، وأوضح أن الهدف هو منع الإيرانيين من التمركز على المدى البعيد فى سوريا أو فرض أنفسهم فى مسارات الحل السياسي، وافشال المسعى الروسى للتوصل إلى حل سياسى للأزمة السورية.

هذا يعنى أن الولايات المتحدة قررت التوقف عن سياسة «المناكفة» مع روسيا وإيران فى سوريا وقررت أن تتحول إلى سياسة المواجهة، وربما «المواجهة الساخنة»، فى وقت تستعد فيه إسرائيل هى الأخرى إلى هذه المواجهة للفوز بنصيبها هى الأخرى من سوريا، وربما يكون الهدف هو اعترافا دوليَّا بسيادتها على هضبة الجولان، مع مسعى تركيا للتوسع فى شمال سوريا، ومن ثم فإن تهدئة الغوطة وفق القرار الأخير لمجلس الأمن قد تكون فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق استعداداً لجولات جديدة من المواجهة تعيد الأزمة السورية مجددا إلى أعنف صورها ولكن هذه المواجهة ستكون مباشرة متجاوزة الوكلاء وهذا هو خطرها.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا