>

بين السيد والرفيق تراجعت الانتفاضة العراقية


كان من المفترض ان تحقق الانتفاضة الوطنية الشعبية كامل اهدافها السياسية. حيث توفر لها من شروط النجاح ما لم يتوفر للانتفاضات التي سبقتها على مدار السنين الماضية. فهي شملت معظم المدن العراقية، وانضوى تحت لوائها مختلف الفئات والاتجاهات والمذاهب والطوائف. وعلا صوت شعاراتها ذات الطابع الوطني العراقي السياسي والعلماني، من قبيل فصل الدين عن الدولة وتعديل الدستور والغاء المحاصصة الطائفية وتطهير القضاء ومحاسبة المفسدين، وتشكيل حكومة وطنية مستقلة وكفوءة ومخلصة.
ليس هذا فحسب، فالحكومة واحزابها وبرلمانها، قد ملآ الخوف والرعب قلوبهم، فممثلها حيدر العبادي وقف عاجزا عن فعل اي شيء امام هذا الخطر الداهم. فلا هو استطاع انهاء الانتفاضة بالقوة العسكرية، كما فعل سلفه نوري المالكي في تعامله مع الانتفاضات التي قامت بعهده. ولا هو استطاع الالتفاف عليها عبر اجراءات اصلاحية تافهة. ناهيك عن النقمة التي تولدت في نفوس العراقيين عليهم، جراء افتضاح امرهم امام الخلق، لما ارتكبوه من جرائم وفساد وسرقات وتفريط باستقلال العراق وسيادته الوطنية. بل ان كل واحد او حزب من هذه العصابة شعر باقتراب النهاية امام هدير الانتفاضة وعزيمة ابنائها واصرارهم على معاقبة الفاسدين. وقد نجد نموذجا صارخا عن هذا الخوف والرعب في الهروب المخزي لاقطابها وقادتها وبرلمانيها الى اماكن مجهولة، لمجرد دخول مجموعات قليله من المتظاهرين الى داخل المنطقة الخضراء.
لكن ما حدث كان غير ذلك تماما، على الرغم من كل شروط النجاح تلك. فبالاضافة الى فشل الانتفاضة في تحقيق هدف واحد من اهدافها، بدأت بالتراجع يوما بعد اخر، واختفى بريقها، وزال تاثيرها، لينتهي فعلها السياسي الشعبي الواعد الى فعل سياسي عبثي، اقتصر على تظاهرات بين فترة واخرى، ولساعات محدودة ، كما تبخرت شعاراتها الوطنية السياسية واختزلت بشعار واحد، يدعو رئيس حكومة الفساد حيدر العبادي الى تشكيل حكومة تكنوقراط!!!. وحتى هذا المطلب البسيط لم ينتج عنه سوى تعين عدد من الوزراء، اختفت اسمائهم واخبارهم في دهاليز المنطقة الخضراء.
ترى ما الذي ادى الى هذا التراجع المفجع؟
هنا نحتاج الى كثير جدا من الصراحة والوضوح وعدم المجاملة لاي كان. فالاوطان عندما تتعرض للخطر، وتوضع العقبات في وجه الشعب للدفاع عن نفسه وانتزاع حقوقه المشروعة. فان المسؤولية تصبح جماعية. اي من حق اي فرد المساهمة في كشف الاسباب التي ادت الى ذلك. ولكي لا نطيل اكثر ومن دون الدخول في مقدمات تمهيدية، او مرافعات قضائية، فان تراجع الانتفاضة او هزيمتها، ليس مرده قوة خصمها الممثلة بالحكومة وبادواتها القمعية من شرطة واجهزه امنية او مليشيات مسلحة، وانما مرده يعود الى وقوع الانتفاضة رهينة بين السيد، ونقصد به رجل الدين مقتدى الصدر وتياره، وبين رفاق عملية الاحتلال السياسية، ونقصد بهم رفاق الحزب الشيوعي العراقي، والذين يدورون في فلكه.
ففيما يتعلق بالسيد مقتدى الصدر، فانه اثبت، بما لا يدع مجال للشك، بان ركوبه موجة الانتفاضة لم يكن، كما تخيل البعض، من اجل قيادتها وتحقيق اهدافها المعلنة، وانما من اجل ان يكون المنقذ والزعيم الاوحد القادر على حماية الحكومة وعمليتها السياسية من السقوط، بعد ان عجزت هذه الحكومة الفاسدةعن حماية نفسها، وذلك من خلال انهاء خطر الانتفاضة عليها. فكانت الخطوة الاولى ان دفع بتياره الواسع لاكتساح الانتفاضة في عقر دارها، في ساحة التحرير، وفرض هيمنته عليها، والتفرد بقيادتها، والتحكم بمسيرتها، والادعاء بتمثيلها. وكانت الخطوة الثانية، منع تحول الانتفاضة الى ثورة شعبية سلمية او مسلحة تؤدي حتما الى سقوط الحكومة وعمليتها السياسية. وذلك من خلال اصراره على سلمية الانتفاضة وحصرها بشعارات مطلبية بسيطة تستجديها من حكومة عميلة وفاسدة، ودعكم من شعارات السيد من قبيل"شلع قلع كلهم حرامية. فالحرامية الذين قصدهم السيد، لازالوا في امكانهم معززين مكرمين، بل وجعل منهم قضاة اشراف، يحكموا بين الناس بالعدل، ويقيموا الحدود، وينصفوا الشعب المظلوم، ويامروا بالاصلاح واجتثاث الفساد. وهذا ما يفسر رعاية الحكومة للمظاهرات في ساحة التحرير، وحماية خيام اعتصامه قرب اسوارالمنطقة الخضراء، واستقبال الاجهزة الامنية للسيد عند دخوله اليها، ووضع حراسات مشددة حول خيمته، واتخاذ كل الاجراءات الضرورية واللازمة للحفاظ على حياته.
هذا ليس تجنيا على السيد. فالرجل وتياره جزء لا يتجزا من العملية السياسية، وهو، كبقية اطرافها، دون استثناء، حريص كل الحرص،على حمايتها والحفاظ على ديمومتها، واحباط اية محاولة لاسقاطها، او حتى المساس بمرتكزاتها الرئيسية، وفي المقدمة منها المحاصصة الطائفية والعرقية. ودعكم ايضا من حديث السيد عن رفضه للمحاصصة. فهو في صلبها ومن اركانها، وتنعم بخيراتها، بل وسكت عن جرائمها وموبقاتها طيلة احد عشرا عاما، ولحد هذه اللحظة. وخير دليل على ذلك فالسيد اعلن بانه مستعد للاشتراك في الانتخابات القادمة. اما وضعه لبعض الشروط، مثل تعديل قانون الانتخابات، فهذه ليست سوى ذر الرماد في العيون. ومن الطريف ان السيد يعلم علم اليقين بان القوائم الانتخابية الفائزة يقررها المحتل الامريكي وبالتوافق مع شريكته "الجارة" ايران، وليست صناديق الانتخابات.
اما الرفاق الذين دفع بهم الحزب الشيوعي للاشتراك في التظاهرات، والادعاء بقيادة التيار المدني داخلها، فقد اراد من ذلك تحقيق هدفين رئيسيين. الاول مشاركة السيد بانقاذ عملية الاحتلال السياسية من السقوط والثاني تبرئة ساحته من جريمة قبوله بالمحتل الامريكي والمشاركة في عمليته السياسية ودفاعه المستميت عنها، والسكوت عن كل سرقاتها وجرائمها طيلة سنين الاحتلال العجاف.
هنا ايضا لا نتجنى على الرفاق. فقد عمل هؤلاء بكل جد واجتهاد على عقد تحالف متين مع السيد، بل وضعوا انفسهم تحت امرته وقبلوا به قائدا وممثلا وحيدا للانتفاضة ونفذوا كل توجيهاته وتوجهاته السلمية للابد. ووقفوا ضد اي نقد او حتى عتاب يوجه للسيد وتياره. بالمقابل فقد ساهموا مساهمة فعالة في الترويج لهذه التوجهات السلمية واعتبروا الخروج عليها مؤامرة لان ذلك يؤدي الى الصدام مع الحكومة. الامر الذي سيصب، حسب رايهم، في مصلحة داعش ويمكنهم من الدخول الى بغداد، وفي نفس الوقت سيزيد من معاناة العراقيين ويؤدي الى سفك الدماء البريئة!!!!.. بعبارة اخرى فقد لعب الرفاق دورا كبيرا ومكملا لدور السيد في تحجيم خطر الانتفاضة على الحكومة وعمليتها السياسية.
اذا لم يكن الامر كذلك، وان السيد والرفاق لم يسرقوا الانتفاضة لمنع عملية الاحتلال السياسية من السقوط ، ترى لماذا تجاهلوا الاسس والقوانين العامة التي تشكل القاسم المشترك لجميع الانتفاضات التي خاضتها الشعوب وحققت انتصاراتها، بغض النظر عن مكانها وزمانها، وبغض النظر ايضا عن خصوصية كل انتفاضة على حدة؟ ام ان السيد والرفاق قد اخرجوا الشعب العراقي من قائمة الشعوب الحية التي تستطيع انهاء الظلم والقهر والاستعباد عبر الانتفاضة او الثورة سواء كانت سلمية او مسلحة؟.
ازعم بان السيد والرفاق على دراية تامة بشروط الانتصار لاية انتفاضة، لانها ليست سرا او بحاجة الى عقل متميز، او خبرات استثنائية. فجميع شعوب الارض لجأت الى الانتفاضات المسلحة حين يعجز ابناءها عن انتزاع حقوقهم عبرالطرق السلمية، وهذه واحدة من سنن الانتفاضات الشعبية، فاما ان تتخذ طريق النضال السلمي اوالسياسي، واما طريق النضال المسلح، وان اختيار واحداً منها لا يجري اعتباطا او مزاجيا، وانما تحدده طبيعة الصراع فيما اذا كان صراعا تناحرياً او صراعاً ثانوياً، ففي الحالة الاولى يتقدم النضال المسلح على الوسائل النضالية الاخرى، وفي الحالة الثانية، يتقدم النضال السياسي والسلمي على النضال المسلح، واما في حالتنا هذه، فصراع الحكومة والاحزاب الحاكمة مع الانتفاضة هو صراع تناحري وصراع وجود، لا يحل سلميا على الاطلاق، وهذا ما يفسر رفض الحكومة التسليم بمطالب الانتفاضة، لان الاستجابة لها تعني سقوط الحكومة ووضع اعضائها واعضاء البرلمان خلف القضبان. ثم ان السيد والرفيق يعلمون علم اليقين بالاسس التي تمكن اية انتفاضة من تحقيق الانتصار. ومن هذه القوانين تشكيل قيادة مشتركة وموحدة، تعتمد على برنامج سياسي مشترك، والية تستند اليها، واعتماد جميع وسائل النضال بما فيها النضال المسلح. ترى هل فعل السيد والرفيق شيئا يذكر في هذا الخصوص؟ ام ان السيد اصبح بمباركة الرفاق القائد والموجه والامر للانتفاضة؟
لقد اكدت الوقائع والاحداث طيلة الخمس سنين الماضية، والتي شهدت انتفاضات عديدة، بان التمسك الى الابد بالسلمية طريق فاشل لم تجن الانتفاضات منه سوى الخيبة تلو الاخرى، كما لم تجن ايضا اي مكسب من ادخال بعض التزويقات على مبدا السلمية، من قبيل الدعوات الى الاضراب العام مرة والى الاضراب عن الطعام مرة اخرى. اما الطرق السلمية الاخرى كالانتخابات فقد جربها العراقيون مرات عديدة. وهي الاخرى لم ينتج عنها سوى تغيير الوجوه والوزراء. فالكل حرامية وقتلة. وقد اثبتت الوقائع هذه الحقيقة. فكلما ذهب حرامي مختص بسرقة الالوف من الدولارات، جاء الخلف ليختص بسرقة الملايين، وخلف الخلف اختص بالمليارات وهكذا دواليك.
نعم لقد حققت بعض الانتفاضات اهدافها من خلال الوسائل السلمية، ولكن ليس في ظل حكومة عميلة واعضائها لصوص وقتلة، وانما حققتها في ظل حكومات وطنية مستقلة، التي غالبا ما تستجيب لمطالب الناس اذا هي اغفلتها او قصرت في اداء واجباتها، او حاولت الاستفادة على حساب شعوبها..
باختصار شديد فان الانتفاضة المسلحة اصبحت الطريق الوحيد لاسقاط الحكومة العميلة والاتيان بحكومة وطنية مستقلة. واللجوء الى الانتفاضة المسلحة ليست ابتكارا عراقيا، وانما هي وسيلة اخذت بها كل الشعوب المظلومة. وهي في نفس الوقت حق مشروع للشعوب ضد الظلم والفساد، بل وتعد من قبل الدول المتحضرة فعل انساني يحظى بالاحترام، اضافة الى شرعيتها بمنظور القوانين الوضعية والسماوية.
اما وصف الانتفاضة من قبل اعداء الشعوب والمرتزقة والانتهازيين والمستفيدين من الحكومات، بانها دعوة للاقتتال بين ابناء الشعب، او بين طوائفه وتياراته المختلفة، فهذا يعد تجنيا وافتراءا. بمعنى اخر فان الشعب العراقي ليس الوحيد بين شعوب العالم الذي ينال حقوقه بالقوة، خاصة اذا كانت القوة وتكاليفها تعادل عودة الوطن الى اهله وادارته من قبل ابنائه المخلصين، وتوظيف ثرواته لصالح اجياله المتتابعة. الم يخبرنا الامام علي ابن ابي طالب رضي الله عنه حين قال اني لاعجب من انسان يجوع ولا يسل سيفه؟.
وعلى هذا الاساس ينبغي على العراقيين، سل سيوفهم لتحقيق كامل اهداف الانتفاضة السياسية، وان لا يثقوا باي طرف من اطراف العملية السياسية، بما فيهم مقتدى الصدر وتياره، وان يوحدوا بالمقابل صفوفهم ويقوموا بجهد لتعبئة عموم الناس وحشدهم، تمهيدا للقيام بالانتفاضة الكبرى، التي وحدها تعيد للعراق استقلاله وسيادة الوطنية كاملة غير منقوصة. وفي نفس الوقت تعيد للعراقيين حقوقهم المشروعة في العيش الكريم والتقدم وتحقيق الرفاهية والتنعم بخيرات العراق.
عوني القلمجي
25/9/2016



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا