>

بيان وزارة الخارجية العراقية انتهاك للدستور والأعراف الدبلوماسية - الدكتور عبدالقادر القيسي

بيان وزارة الخارجية العراقية انتهاك للدستور والأعراف الدبلوماسية
الدكتور
عبدالقادر القيسي
ان ضعف الأداء الدبلوماسي كان ولا زال بسبب غياب الرسم الناجح للسياسية الخارجية لجهة، عدم استقرار النظام السياسي في العراق فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية، مع وجود المشاكل الداخلية التي تؤثر في استقرار الدولة ودخول عامل المحاصصة الحزبية والطائفية والعشائرية في قضايا اختيار موظف السلك الدبلوماسي.
ومنذ الاحتلال لم تعد السياسة الخارجية (وهي إدارة العلاقات مع الدول الأخرى ومع المجتمع الدولي لما يصب في المصلحة الوطنية للدولة والدفاع عن مصالح الشعب) في العراق محسوبة لدولة اسمها العراق بقدر ما هي محسوبة في أحسن الأحوال وفي اقل الأوقات لكيان سياسي عراقي.
إن العراق جزء من العالم الإسلامي والعربي ومبدأ حسن الجوار بين الدول، وإقامة العلاقات الدولية على أساس المصالح المشتركة والحفاظ على مبادئ الأمن والسلم الدولي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى مبادئ اقرها الدستور العراقي النافذ.
ان الخلافات في المواقف السياسية هي صورة من صور الديمقراطية، إلاّ أن المبالغة فيها يضعف الموقف السياسي الخارجي للدولة، وهذا ما يجعل على عاتق السياسيين كافة ان يتفقوا على سياسة وطنية موحدة، فالوحدة الوطنية هي أساس القوة في تنفيذ السياسة الخارجية وبالتالي الدفاع عن المصالح الوطنية، والملاحظ اليوم ان الخطاب السياسي الخارجي العراقي الموحد ضعيف ان لم نقل غائباً بعد ان سبق وشهدنا مجموعة خطابات متنافرة، ولان الناطق الرسمي باسم الخارجية العراقية غير موجود.
وعودا لعنوان مقالتنا، صدر بيان من وزارة الخارجية العراقية مؤسف ومخالف للدستور العراقي النافذ ولا ينسجم والأعراف الدبلوماسية، حيث أبدت وزارة الخارجية العراقية في20 حزيران/2015 قلقها إزاء الحكم الصادر بسجن المعارض البحريني علي سلمان (التقيته سابقا في العراق عندما زار أحد نواب رئيس الجمهورية)، وقالت الوزارة في بيانها " إنها "ترى أن هذا الحكم يأتي ضمن سياق إجراءات من شأنها أن تعقد مشهد التعامل مع المطالبات الشعبية بإجراء إصلاحات سياسية.... ومراجعة الحكم الصادر بحق الشيخ سلمان لما يمكن أن يكون له من تداعيات على استقرار المملكة الشقيقة والمنطقة عموماً ".
اننا لسنا بصدد الدفاع عن أحد ولا الطعن بالأحكام من حيث نيلها الأطر الصحيحة للمحاكمة العادلة؛ لان لكل بلد قوانينه وعقوباته والخارجية البحرينية، بدورها، شددت في بيانها بتاريخ 16 حزيران إن اتهامات وُجهت إلى سلمان في 28/11/2014 بعد أن أثبتت التحقيقات في تسجيلات لخطبه أنها تتضمن تحريضاً على الكراهية وتشجع على العنف ضد السلطات البحرينية.
لكن الذي اريد ان أقوله ما لنا وما المحكوم (علي سلمان) انه مواطن بحريني له حقوق وعليه التزامات واجبات فان اخل باي من هذه الالتزامات تكون القوانين البحرينية بانتظاره واذا كان هناك تعاطف معه من واجهة دينية او طائفية تستوجب الوقوف معه فان القنوات الدينية او المخفية هي أولى بالتعبير عن ذلك؛ لان بيان الخارجية العراقية اتى بمردودات ومضاعفات سلبية كثيرة اكثر من ايجابياته، لاسيما اننا كنا قبلها بصدد دفع الاتهام عن العراق بانه يأوي عناصر إرهابية مسلحة قامت بأعمال تخريبية في البحرين؛ حيث اعتبر وزير الخارجية البحريني ان ((تدريب العراق للإرهابيين وتهريب مواد وأدوات التفجير منه للبحرين هو ما له تداعيات على الأمن في البحرين، وليس محاكمة شخص أخطأ في حق بلده))، فكان الأولى والأفضل والاحسن بالخارجية العراقية دحض هذه الاتهامات والبحث عن بدائل لإعادة تلطيف الأجواء مع الدول الخليجية؛ لا البحث عن كل ما يوتر الأجواء ويجعلنا ندور في فلك دول لا تريد الا تحقيق مصالحها حتى ولو على حساب العراق، ما لنا نتدخل بشان داخلي بحت لا نرضى نحن أولا التدخل به؛ ان بيان الخارجية جعل فرص تعزيز الاتهامات بحق العراق مواتية اكثر من السابق، والسياسة الدبلوماسية الخارجية العراقية بتلك البيانات والممارسات تجعل من القطيعة مع المحيط العربي مستمرة ولن تكون فعالة ومؤثرة باي حال من الأحوال خاصة سبق تلك هجمة شرسة حينما وافقت السعودية على فتح سفارتها في بغداد بعد 24 عاماً من إغلاقها وتعيين سفيرها، من خلال اتهام سفيرها بانه رجل مخابراتي، والمؤسف ان كل الدول العربية تعتبر سفاراتها واجهة مخابراتية في كثير من اعمالها فما هو المختلف في تعيين سفير السعودية الم يكن سفير الكويت ومصر وايران هم رجال مخابرات ومعروفين للحكومة العراقية، فلماذا هذه الهجمة الإعلامية والاعتراضات غير المبررة ونحن على أبواب فتح صفحة جديدة مع محيطنا العربي الذي دعم حكومة الدكتور العبادي بطريقة مشجعة جدا؛ ما يجعلنا نبذل الجهد ونستفرغ الوسع لأجل قيام علاقات منتجة مؤثرة فعالة نموذجية مع محيطنا العربي، لا ان نعترض على تعين سفير او حكم معارض؛ مما سخن الأجواء مع الدول الخليجية برمتها من خلال قيام الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج عبد اللطيف الزياني في 22/6/2015، الذي سلم بدوره مذكرة احتجاج من دول المجلس للقائم بأعمال السفارة العراقية لدى السعودية، بشأن بيان وزارة الخارجية العراقية بخصوص الحكم الصادر بحق زعيم المعارضة البحرينية علي سلمان، هذا وتوالت تغريدات وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد على موقع التواصل الاجتماعي تويتر في 21/6/2015 وأضاف((...على العراق ان يضع حلول واقعية لازمته المزمنة، وذلك بتجنب الطائفية وبإدماج جميع مكونات شعبه في العملية السياسية وإعطاؤهم حقوقهم كاملة)).
اننا بهذه السياسة الغير منضبطة نكون قد ضحينا بدعم دول الخليج العربي والتي هي أيضا لديها تخوف من العراق، ومنطقة الخليج العربي تعدّ من أبرز مناطق الشرق الأوسط والعالم والدول الخليجية مدركة بضرورة البحث عن إطار خليجي أمنى لها، وتعتبر العراق صمام أمان للمنظومة الخليجية.
لقد تضمن البرنامج الحكومي للدكتور العبادي نقاط عدة لعل أبرزها: تفعيل سياسة العراق الخارجية والالتزام بسياسة حسن الجوار وعدم التدخل بالشأن الداخلي، لذا فقد حظيت حكومة العبادي بقبول وترحيب عربي لافت للنظر من خلال دعم العديد من الدول العربية لتشكيل الحكومة العراقية والحضور المؤثر للتمثيل الدبلوماسي العربي الموجود في العراق خلال مراسيم تشكيل الحكومة، اذ حضر ممثلو سفارات وقنصليات كل من مصر وتونس وسوريا ولبنان وارتيريا والامارات والاردن وفلسطين واليمن والبحرين وممثل عن بعثة جامعة الدول العربية.
وقد تجسد البرنامج الحكومي العراقي على ارض الواقع من خلال الزيارات التي قام بها رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب بزيارة كل من الكويت والاردن والسعودية ومصر، اذ كانت تلك الزيارات تهدف الى تقوية العلاقات مع دول الجوار العربي وعودة الدفء بين العراق ومحيطه العربي، وإزالة التشنج الذي طالما استمر مع العديد من البلدان العربية على خلفية المواقف المتضادة حيال التطورات التي شهدتها السياسة العراقية، والدول الخليجية تدرك ان لها دوراً ومسؤولية في استقرار العراق وأمنه بحكم الموقع الجغرافي والصلات التاريخية والحضارية والاجتماعية، وإدراكها ان ضعف العراق بمثابة تهديد لدول المنطقة.
ان حكومة العبادي ورثت تركة ثقيلة من العزلة والعداء نتيجة انعدام الثقة جراء السياسات اللامسؤولة والتي أدّت إلى تراجع دور ومكانة البلاد في المجتمع الدولي، لذا أصبح العراق بحاجة ماسة لدبلوماسية جديدة وبناءة لها القدرة على التعبير عن التطلعات السياسية الخارجية الجديدة للدولة العراقية وبشكل إيجابي، وٕاقناع دول الجوار بجدوى قيام عراق قوي وديمقراطي، وهذا الأداء المتواضع للدبلوماسية العراقية في هذه المدة قد انعكس سلباً على علاقات العراق العربية وحد من إمكانيات الدولة في انهاء الخلافات معها.
أن وظيفة الدبلوماسية تتركز بالأساس في محاولة ايجاد السبل الكفيلة والوسائل الاكفأ والانجع لتحقيق المصالح العامة والاهداف العليا للدولة، والشخصية الدبلوماسية المتمرسة وذات الفكر والمهارات العلمية يمكنها أن تسهم والى حد ما في رسم خطط السياسة الخارجية وتستطيع أيضا أن تشاطر الحكومة الرأي في ايجاد الحلول التي تصب في خدمة المصلحة الوطنية وليس المصلحة التي تخدم خصوصية العرق أو الطائفة فقط.
لهذا فقد وضعت الدول المتحضرة جملة شروط وخصائص لابد من توفرها في العناصر التي يراد لها العمل في المجال الدبلوماسي، وهناك منتسبين عملوا في بعثات دبلوماسية لتمثيل العراق بالخارج وكانوا لا يتحلون بأبسط مقومات الذوق العام وليس الرفيع، وأغلب تلك الملاكات قد وصفت بالدبلوماسية ظلما وعدوانا وهي أنما كانت تعتبر وظائف الخارجية كأي وظيفة أخرى في أي وزارة من وزارات الحكومة.
أن واقع الدبلوماسية العراقية مؤسف جدا، لأنه اصبح كيان يرتكز على الخدمات لا السياسات، يصاحب ذلك ظاهرة المرجعيات السياسية التي يتبع اليها كل وزير وتتحكم بعمل وزارته، بل تأسر أرادة الوزير تماما فتؤثر سلبا على مجريات عمل الوزارة ، بل أن الوزير يشعر أنه ممثلا للحزب الذي جاء به وأختاره لهذا المنصب، فيكون مدينا له حصوله على هذه الوظيفة التي يعتبرها الكثيرون أنها وصلت اليه تشريفا لا تكليفا، وأن دور الوزير في مدة خدمته بالخارجية ومستقبله الوظيفي محكوم بالتجاذبات المحلية للكيانات السياسية المتحالفة والمشتركة في الحكومة وليس محكوم بالخطط التي ترسم أهدافا مهمة ومدروسة لعمل الدبلوماسية وأهميتها في أي حكومة تصل لتحكم الدولة.
ان هذه السياسات والتصريحات من بعض البرلمانيين تشير بان كل برلماني يمثل راي حزبه ولا يمثل المصالح العليا للبلد، والتوازن في علاقات العراق الخارجية، وخصوصاً الدول العربية، وذلك عبر الانفتاح عليها وتوطيد العلاقات معها، لاسيما الخليجية منها وتلك التي توصف علاقات العراق معها بالتوتر، مثل قطر والامارات التي صنفت الحشد الشعبي باعتباره تنظيما إرهابيا، فكان من المفترض العمل بكل السبل على الانغماس أكثر بالقضايا العربية كنوع من تعزيز الثقة مع الدول العربية وٕاثبات أن الدور العراقي في الإقليم العربي دور ريادي وبناء, مع عدم إثارة الهواجس للدول الأخرى باحتمالية تغير سياسة العراق الخارجية تجاههم وهو الأمر الذي يضفي على علاقات العراق الخارجية نوعا من التوازن والاستقرار ويمنح المؤسسات العراقية المسؤولة عن صنع القرار، مرونة وسعة للتحرك ويزيد من فرص النجاح، ولأجل جعل الدول الخليجية تطمئن لسياسات العراق وتقوم برفع الحشد الشعبي من قوائم دولة الامارات.
لا يمكن ان نتلمس سياسة خارجية رشيدة لأي بلاد من بلدان الأرض من دون ان يكون رحمها معافى، وهذا التعافي لا يتوافر الا عندما يصبح العراق دولة وليس كياناً سياسياً في محيطه الداخلي أولاً وفي محيطه الإقليمي والدولي ثانياً.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا