>

انفراط العقد الأوروبي - كلمة الرياض

كلمة الرياض
انفراط العقد الأوروبي
أيمـن الـحـمـاد

اليونان التي صدمت أوروبا وصوتت ب "لا" ضد إجراءات التشقف وشروط الدائنين لتدخل والقارة العجوز منعطفاً تاريخياً سيكون أحد أبرز مآلاته انسحابها من "اليورو" العملة التي كانت رمزاً وفخراً للوحدة الأوروبية التي تمر بأسوأ اختباراتها مع تصاعد الأحزاب القومية والمحافظة في أوروبا بشكل كبير، ما يجعل المجال مفتوحاً أمام تشظيات أخرى قد تسهم في انحدار القوة والحضور السياسي الأوروبي، وتعزز من الروح الاستقلالية لدى بقية الدول.

الحكومة اليونانية التي يقودها اليوم حزب يساري حضت الجماهير على أن تصوت برفض الخطة الأوروبية لإصلاح النظام المالي وخطة شويبله وزير المال الألماني الذي بات رمزاً للتشقف لدى اليونان، وبقدر ما يعتبر رفض التقشف قراراً يونانياً محلياً إلا أنه نذير شؤوم كبير على المؤمنين بالوحدة والاندماج الأوروبي لاسيما ألمانيا التي تستمد قوتها من هذه الوحدة بفضل ريادتها الاقتصادية والسياسية وبدرجة أقل فرنسا.

ولن تلبث تداعيات اليونان أن تتوالى حتى يهبط الاستحقاق الأكثر صعوبة والأشد وطأة على أوروبا عندما يفي المحافظون البريطانيون بما وعدوا حين ينظمون استفتاء على عضوية البلاد في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يعني، حال تصويتهم بالإيجاب، انفراط عقد أوروبا وانكفاءها وانحسارا محتملا لدورها على الساحة الدولية، ويأتي ذلك في ظل نزعة استقلالية شابت أوروبا خلال العامين السابقين، فقد رأينا كيف تقدم الاسكتلنديون بجرأة كبيرة لتقرير مصيرهم في المملكة المتحدة، وعلى الرغم من النتيجة السلبية لهذا الاستفتاء إلا أن تلك الجرأة بتقرير الانفصال عن دولة كانت يوماً الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، تجعلنا نتوقف كثيراً للتأمل في الحالة الأوروبية، والأمر ذاته حدث عندما سعى "الكتالونيون" في أسبانيا لذات المقصد والهدف، إلا أن طلبهم رفض فلجأوا إلى استفتاء رمزي كانت نتائجه 80% للاستقلال عن المملكة الاسبانية، ما يعني أن بذور التشظي والاستقلال حالة موجودة ومتوفرة اليوم في أوروبا.

وفي ظل هذه التطورات التاريخية في أوروبا سيصبح الاتحاد الأوروبي و" اليورو" أقل إغراء ورغبة في أن يصبح مطمعاً لدول كانت ترى في هذا التكتل السياسي رديفاً للحياة الرغيدة، وهوية تحقق ما تعجز عنه الدولة الأم، وسينعكس بإيجابية على إحدى أكثر الدول عدائية تجاه أوروبا ونعني هنا روسيا التي ترى في الاتحاد مشروعاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً مقوّضاً لحضورها وقدراتها.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا