>

اليوتوبيا الشيوعية فى المئوية الثانية لميلاد ماركس - صلاح سالم

اليوتوبيا الشيوعية فى المئوية الثانية لميلاد ماركس
صلاح سالم

ثمة أنماط مختلفة لليوتوبيا، أى ذلك الفكر الحالم بالخلاص من قيود الواقع التاريخى عبر الهروب إلى واقع جديد مثالى ومفترض. لعل أولها تمثل فى جمهورية أفلاطون الفاضلة، كيوتوبيا سياسية، مرورا بمدينة توماس مور المخططة، وعالم ألدوس هكسلى الشجاع، كنموذجين ليوتوبيا علمية، وصولا إلى الشيوعية كيوتوبيا أيديولوجية. أما المشكلة الجوهرية التى أبقت على حلم أفلاطون فى طى الخيال الرومانسي، وأحالت الشيوعية إلى كابوس إنسانى، فتكمن فى سعى كليهما، ككل فكر يوتوبى، إلى تزييف الطبيعة الإنسانية. تفسير ذلك أن الإنسان له تصوران متناقضان: أولهما البيولوجي حيث يتشابه الجميع مع الجميع، ويتقدم فيه النوع الإنسانى كتصور مجرد على الشخص الإنسانى كجوهر متفرد. وثانيهما سيكولوجى، يؤكد الجوهر المتفرد للإنسان الحقيقي، صاحب الشخصية المائزة والحضور الذاتى، الذى يملك من الفردية والرومانسية قدرا يستعصى به على التنميط، ويتمرد بأثره على حالة القطيع.

لقد شاع الجدل حول علاقة الماركسية بالهيجيلية، وقيل إن الأولى ليست إلا معكوسا ماديا لمثالية الثانية. وقد يكون ذلك صحيحا، لكننى أتصور أن العلاقة الأكثر جوهرية إنما تقوم بين الماركسية كيوتوبيا أيديولوجية وبين نظرية التطور الداروينية، فكلتاهما تملك تصورا عن الإنسان يخلو من الذاتية والروحانية والفردية ويذهب به إلى فضاء الروح الجمعية؛ ذلك أن الشروط المطلوبة لتدجين الإنسان ككائن اجتماعى فى بنية تحول تاريخى مخطط يتصاعد نحو المجتمع الشيوعى المنظم على النحو الذى تصوره ماركس (1818 ـ 1883) هى نفسها السمات المترتبة على تصور داروين للإنسان ككائن (بيولوجى) تتشابه أفراده وتندرج فى سياق نوع بشرى يسهل وضع قواعد عامة تحكم سلوكه وممارساته، ليصبح عنصرا خاملا فى مدينة فاضلة، أو عضوا محايدا في مجتمع مخطط. تفترض الداروينية التعريف البيولوجى كأصل للإنسان، فيما تتصوره الشيوعية مستقبلا للإنسان. أما التعريف السيكولوجى فيتنكر للأولى ويرفض الثانية، لأن كلتيهما تفترض القضاء علي جوهره المتفرد، وتدفع به إلى الخضوع لعملية النمذجة المطلوبة والانضواء فى النسق المجتمعى السائد. لقد اعتبرت الماركسية نفسها أنها وحدها الاشتراكية العلمية، ومن ثم فقد عولت على قيمتين متطرفتين فى الحقيقة: الأولى هى النزعة المساواتية المطلقة بين البشر، على نحو يجعل مطالب الإنسان دائماً واحدة، كونها مطالب طبيعية. والثانية هى النزعة العلمية المتطرفة، التى حصرت ذكاء الإنسان أو طموحه فى دائرة تحقيق مطالبه الطبيعية بطريقة عقلانية، أى باعتباره حيوانا عاقلا، وكأن مخه لم يتطور بعد من مستوى الذهن القادر على أن يدرك فقط الأفعال الشرطية والانعكاسية، إلى مستوى العقل القادر على التفكير السببى. ومن جماع القيمتين صاغت الماركسية، فى صبغتها السوفيتية، نموذجا للإنسان أقرب واقعيا إلى (الروبوت)، إذ يلعب دوره فى بنية كلية شاملة تتجاوزه، كترس صغير فى آلة كبيرة تستوعبه وتتجاوزه، أو كعضو يتحرك فى سياق كتلة لا ملامح لها، حتى إنه لم يعد يعبأ بالمشكلات الأخلاقية من قبيل الخير والشر، فليس لديه نفس كاملة تتعذب وتتألم وتندم وتتوب، لأن قضية الشر فردية، تقوم على الحرية وتفترض التفاوت الأخلاقى بين الناس، أما اليوتوبيا فيضمحل فيها عالم الإنسان الداخلي وينتفى عنه مفهوم الشخصية، ولا يعود لديه سوى مجرد (سيكولوجية) قائمة علي وظيفته في عملية الإنتاج المخططة شموليا. إنه فى الأخير كائن وظيفي يلعب دورا فى (المؤسسة) وليس كائنا إنسانيا يعيش حياة حقيقية. فى هذا السياق لم يكن ثمة معنى للدين، فإذا كان الأخير، ضمن تعريفاته المتعددة، يمثل رؤية شاملة للوجود الكونى، فإن الأيديولوجية الماركسية، طرحت نفسها باعتبارها رؤية كلية للواقع الإنسانى لها نفس القدر من الجذرية والإطلاقية، وإن بقى الفارق الأساسي بينها وبين الدين أن الأخير جوهره التعالى، حيث النص المقدس يتجاوز الخطاب المعقلن، وبنية الاعتقاد تتجاوز حدود المعرفة، والأمر القدسى يقدم نفسه كسر قائم وراء العقل. غير أن المفارقة الكبرى هى أن الشيوعية التى سعت إلى نفى المسيحية كاعتقاد سماوى، بذريعة أن قيمه غيبية، هى نفسها التى صنعت عقائد أرضية بديلة عنه؛ ففى الماركسية العلمية ثمة عقيدة الموضوعية جوهرا للفكر، وعقيدة الطبيعة جوهرا للعلم، وعقيدة الديمقراطية الاشتراكية (على طريق السوفيتات التى أفضت عمليا إلى أبشع صور الديكتاتورية) جوهرا للسياسة. كما أدى التنكر لأنبياء الوحى إلى التمحك بأنبياء السياسة فصار لينين مسيحا جديدا مقدسا، وأخيرا أدى التنكر للمخلص الدينى/ المسيح الفادى الذى تجسد فى الكنيسة إلى استحضار مخلص جديد علمانى هو العامل، الذى شكل طبقة البروليتاريا، القادرة وحدها على تخليص الوجود البشرى من جل مظاهر الظلم، الناجمة عن غياب المساواة بين البشر. وهنا كان ضروريا أن يستحيل معتنقو الشيوعية إلى شعب مختار جديد من الله، يستحق الخلاص وحده من دون الرأسماليين «الكفرة» الذين لم يبذلوا في فهم وإدراك حركة التاريخ؛ ذلك القدر الذى يؤهلهم للنجاة من المصير الرأسمالى البغيض! وهكذا استحالت الرؤية الماركسية للتاريخ أشبه برؤية لاهوتية بديلة أو متخفية، مركزها إنسانى، ومحيطها أيديولوجى، وقلبها سياسي، وجوهرها مادى.

بإلهام الماركسية، كدين وضعى، جرت محاولة صهر الشعوب السوفيتية فى الشعب الروسي، عبر التهجير القسري لمواطنى تلك الشعوب، وصبهم فى كتل تعمل بانتظام وظيفى رهيب يبدأ فى المزارع الجماعية والمصانع الكبيرة، وإلا فهى المنافى والسجون السيبيرية، مرورا بما يشبه الورش الأدبية التى تدافع عن الواقعية الاشتراكية، وفرق الباليه ومعاهد الفنون أو حتى الألعاب الرياضية، التى خضعت جميعها لقوة ضبط ونظام عمل صارم رتيب، تحقيقا لرفعة الدولة ومجد الأمة، وليس بوازع من رغبات البشر، ولا تحقيقا لذواتهم واستثمارا لنبوغهم. غير أن ذلك لم يدم طويلا، فلا الناس كانوا سعداء حقا، ولا الأمة السوفيتية موحدة فعلا، ولا الدولة استمرت فى تحقيق النجاحات الأولى، حيث أرهق البشر فى النهاية، وخفتت دوافعهم، وهرم الحزب الذى أشرف على تنظيمهم، وإن ظل واقفا مستندا إلى منسأته، مثل سليمان الحكيم، قبل أن تسقط العصى وتتفكك الدولة، وينطلق جموع الناس فى كل صوب، مستعيدين أعلام أوطانهم الأولى ومعتقدات أديانهم المتعالية، فيما الماركسية ترقد فى التاريخ كجثمان صاحبها الراقد فى التراب.

salahmsalem@hotmail.com



شارك اصدقائك


التعليقات (16)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا