>

اللجوء وانعكاساته.. شعراء المهجر نموذجاً - كلمة الرياض

كلمة الرياض
اللجوء وانعكاساته.. شعراء المهجر نموذجاً
أيمـن الـحـمـاد

المأساة الإنسانية التي حلت اليوم بمنطقة الهلال الخصيب وأثّرت بعمق في المكوّن الاجتماعي والثقافي لهذه المنطقة، التي لطالما كانت محطة تقاطعات حضارية غنية تحكي قصص أمم وشعوب مرت على هذه الجغرافيا، وخلّفت وراءها إرثاً بشرياً لايقدر بثمن من جهة عراقته وقدمه وثرائه. وما يحصل اليوم في المنطقة يجعلنا أمام لحظة تاريخية مظلمة من التاريخ البشري الذي سيلحق بذاك الإرث ليحكي للأجيال المقبلة ما حلّ بهؤلاء الناس الذين عاشوا في تلك المناطق.

لقد كانت التحولات والحركة الاجتماعية على الدوام حدثاً وأمراً مؤثراً على المستوى الثقافي على مستوى العالم، إذ أنتجت التقلبات السياسية والاقتصادية حراكاً ثقافياً من جهة أن المعاناة أحد محفزات البوح الإبداعي.

بين منتصف القرن التاسع عشر، ومنتصف القرن العشرين حدثت هجرة كبيرة من بلاد الشام نحو الأميركتين (الشمالية والجنوبية)، وأيضاً نحو بعض الدول العربية وتحديداً إلى مصر، فبسبب الاوضاع الاقتصادية المتردية والصراعات المذهبية والدينية وحروب السلطنة العثمانية، فرّ العديد من الشباب بحثاً عن الحياة والمستقبل، وأرسى هؤلاء عوائل نراها اليوم نافذة في الحياة السياسية والتجارية في تلك البلدان، لكن هذه الهجرة أوجدت أمراً آخر يتمثل في بروز حالة شعرية وأدبية أُرخ لها وعُرف المنتسبون لها بأدباء أو شعراء المهجر الذين تركوا وخلّفوا إنتاجاً أدبياً ضخماً لايزال في واقع الأمر محل احتفاء من المهتمين ومن غيرهم، إذ جاء مختلفاً عن مثيله من الشعر العربي من جهة اختلاف صوره وتشبيهاته وتراكيبه اللغوية ومفرداته..

لقد أثرى اللجوء الذاكرة العربية ثقافياً بفضل الوعي والمعرفة، والتمسك بالهوية لهؤلاء المهاجرين، بل إن المتتبع لأحوالهم وخاصة المنتسبين لبلاد الشام يجد كيف أسهموا في تأسيس دور المعارف والإعلام على مستوى الدول العربية بدءاً من صحيفة الأهرام، وصولاً إلى إطلاق الحركة السينمائية المصرية، لكن على الجانب الآخر هناك من نسي لغته وانصهر فضاعت هويته وضعفت ثم تلاشت.

إن المأساة الحاصلة في منطقتنا هذه الأيام والتي نراها تتمثل في حركة النزوح البشري الهائلة في سبيل البحث عن الحياة والأمن من خلال الظفر بكلمة أو لقب "لاجئ" لإعطاء الشرعية لهذا المطلب الانساني الغريزي .. هذا المطلب الذي يمر من بوابة الهول والخوف والدموع والحنين والفقد، لن يكون في واقع الأمر، إلا جزءاً من مشهدٍ ثقافي جديد هو بصدد الإعداد والتشكّل، وتبدو ملامحه سوداوية.. وسنرى في قادم الأيام والسنوات القريبة انعكاسه شعراً وتشكيلاً وقصة، تزخر بعبارات الألم عن وصف الرحيل وقسوته، والشعور بالغربة وذكريات الصبا والطفولة، والتأسي على الوطن وأحواله، ومن يدري كم سيخرج لنا من رحم هذه المأساة من جبران وإيليا..



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا