>

الرياضة تهزم السياسة فى سوريا - أشرف محمود

الرياضة تهزم السياسة فى سوريا
أشرف محمود

من رحم المستحيل تتحقق الإنجازات، ويوما بعد آخر تثبت الرياضة ـ وفى المقدمة منها كرة القدم ـ أنها الوحيدة القادرة على رسم البسمة وتجاوز المحن ونثر الفرح فى القلوب الحزينة والشوارع المسكونة بالخوف والمدن التى تلاشت معالمها بفعل الحرب، نعم هى الرياضة وحدها التى تجرأت ووقفت فى وجه كل من يريد أن يمحو اسم سوريا من على الخريطة، ليحل محله أسماء عدة، وحدها الرياضة التى جمعت الموالى والمعارض، من يعيش بالداخل ومن ترك قلبه فى الداخل ورحل إلى الخارج فى بقاع المعمورة الواسعة شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، حيث لا يوجد مكان لم تطأه قدم سورية من بين نحو خمسة ملايين تركوا بلادهم بفعل الحرب التى تدور رحاها على أرضهم، وكانت الرياضة وحدها التى غيرت الأخبار المرتبطة باسم سوريا، ليفرض الإنجاز الرياضى نفسه ويذكر اسم سوريا فى صدر النشرات مقرونا به، ومن غير الرياضة الذى يقدر على ذلك، فهى السلوك الإنسانى الذى يمكن وصفه برسول السلام فى عالمنا، هى التى تجمع ماتفرق، وتوحد ما انقسم، وهى القادرة على منح طاقة إيجابية للنفس البشرية تمكنها من المقاومة والصمود والحياة، رغم الواقع المر الذى يسيطر على الأرض.

كانت الرياضة حاضرة والمنافسات المحلية قائمة والرغبة عارمة من الجميع على تحدى الحرب، ففى العام الماضى كان منتخب سوريا للناشئين تحت 17 عاما وحده الفريق العربى الذى شارك فى مونديال شيلي، ولم يتوقف كثيرون أمام إنجازه بفعل استعار الحرب وقتها واتساع دائرة الانقسامات بين ابناء الشعب الواحد، ودخول دول عربية وغربية على خط الأزمة السورية لتتعمق أكثر، وتتضاءل فرص الحلول السياسية وتتصاعد الدعوة للتدخل العسكرى، لكن صوت القذائف لم يتوقف حتى إن لاعبا كرويا دفع حياته متأثرا بإحداها وهو يوسف سليمان لاعب الوثب فى حمص، إلا أن هذا الامر لم يفت فى عضد الرياضيين، ورويدا رويدا بدأت الإنجازات الرياضية تلفت الأنظار نحو سوريا الأخرى غير التى تتدوال أخبار حربها فى وسائل الاعلام، فها هو فراس المعلا يحقق إنجازا فى بطولة العالم للسباحة فى المياه المفتوحة بالمجر بإحرازه المركز الثالث، وبعده يخطف العداء مجد الدين غزال الأضواء بإحرازه الميدالية البرونزية فى بطولة العالم لالعاب القوى فى الوثب العالى، وهاهو منتخب السيدات فى كرة القدم يستعد لخوض التصفيات المؤهلة لمونديال السيدات، وجاء منتخب الرجال ليضع التاج فوق الرياضة السورية ويحقق للدولة أكبر مكاسبها المعنوية، عندما تمكن من التأهل إلى الملحق الآسيوى المؤهل للملحق العالمى لبلوغ مونديال روسيا 2018، اذ لم يكن اشد السوريين تفاؤلا ينتظر ماتحقق حتى إن الأمر اعتبره البعض إعجازا وليس إنجازا، قياسا بالظروف التى تعانيها سوريا، فالفريق لم يلعب أى مباراة على ملعبه، وكاد ينسحب من التصفيات بعدما أعجزه البحث عن ملعب له فى المنطقة العربية، ليختار بعدها ماليزيا ملعبا، وفيها حقق مالم يخطر على بال أحد، متخطيا الفرق المنافسة واحدة تلو الأخري، ومع كل خطوة ينجح المنتخب السورى ليس فى إضافة النقاط الى رصيده فحسب، وإنما فى جذب اهتمام السوريين والتفافهم حول منتخب بلادهم، خصوصا بعدما نجح المدرب الشاب أيمن الحكيم فى ضم لاعبين محترفين جدد مثلوا قوة للمنتخب، وكانت المفاجأة عندما أعلن اللاعب فراس الخطيب رغبته فى العودة لارتداء قميص المنتخب بعد غياب ست سنوات من رفضه الانضمام للمنتخب، وانضمامه إلى المعارضة، وكان اتحاد الكرة حكيما ومن ورائه الاتحاد الرياضى العام أعلى سلطة رياضية فى سوريا عندما رحب بعودة اللاعب وقام بتسوية موقفه الأمني، وزاد اللاعب بلعب دور كبير فى إقناع عمر السومة ابن دير الزور لاعب أهلى جدة وأحد افضل المهاجمين العرب الذى كان رافضا الانضمام للمنتخب طيلة السنوات الست الماضية، وهكذا لعب الموالى والمعارض والمحايد معا فى فريق واحد، وأعطوا درسا بليغا للساسة الذين عجزوا عن الجلوس على طاولة التفاوض وإيجاد حل لأزمة فرضوها على بلادهم وتشبث كل طرف بما يخدم مصالحه، وحتى من ارادوا التوفيق بين المختلفين لم يكن تدخلهم لمصلحة سوريا وإنما كانت لهم اجندات خاصة، فهل يتخذوا من الرياضة وسيلة لرأب الصدع ولم الشمل من خلال حل سياسى يحافظ على ما تبقى من سوريا.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا