>

الذكرى المئوية لمأساة الأرمن.. أبعد من التسميات - رأي القدس

الذكرى المئوية لمأساة الأرمن.. أبعد من التسميات
رأي القدس

لم تسلم الذكرى المئوية الاولى لمقتل مليون ونصف مليون ارمني في نهاية الحرب العالمية الاولى، من محاولات البعض توظيفها في صراعات سياسية، في اساءة الى ارواح الضحايا، وما تستحقه المناسبة من تأمل وخشوع وبحث في كيفية ضمان عدم تكرار هكذا احداث تفوق مأساويتها كل الاوصاف والتسميات.
وطالب الأرمن الجمعة العالم بالاعتراف بانهم تعرضوا الى «ابادة جماعية» على يد الامبراطورية العثمانية حينئذ، واندلعت الاحتجاجات في أغلب المناطق التي بها اعداد كبيرة من الأرمن من بيروت والقدس إلى طهران.
واعتبر الرئيس الارمني سيرز سركسيان في كلمته بالاحتفال الذي حضره زعماء دينيون وسياسيون «ان الاعتراف بأن ما حدث هو ابادة جماعية للأرمن سيمثل انتصارا للضمير البشري وللعدالة على الكراهية والاضطهاد».
وترفض تركيا حتى الآن الاعتراف بأن هذه المجازر كانت عملية تصفية ممنهجة نفذتها السلطنة العثمانية، مؤكدة ان عدد الارمن الذين قضوا في تلك الفترة يقارب نصف مليون وانهم قضوا نتيجة للجوع او في معارك وقفوا فيها مع روسيا عدوة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الاولى، وأن الارمن والاتراك وأبناء جنسيات أخرى سقطوا ضحايا حرب اهلية ضمن فوضوية الحرب العالمية الاولى.
وحسب وصف المؤرخ المعروف ديفيد فرومكين فان ما حدث كان رهيبا حقا، حيث «تعرض مئات الآلاف للقتل، ناهيك عن الاغتصاب والتعذيب. اما اولئك الذين لم يقتلوا فورا فقد القي بهم في الجبال والصحارى بلا مأوى او طعام او شراب».
وقد اعرب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان عن مشاركته الارمن مشاعر الالم والحزن، وهو ما يمثل تطورا مهما في الموقف التركي تجاه المأساة، اذ اعتادت تركيا في الماضي اعتبار مجرد فتح هذه القضية من المحرمات لكونه «اهانة» الى المشاعر القومية للاتراك.
وأرسلت القاهرة وفدا رفيع المستوى على رأسه قداسة البابا تواضروس الثاني للمشاركة في الاحتفال باحياء الذكرى في ارمينيا، كما احتفت وسائل الاعلام المصرية بها في تعبير واضح عن الازمة مع تركيا، الا انها لم تذهب الى حد اعتبار ما حدث «ابادة جماعية»، وهو ما يشير في المقابل الى رغبة في عدم التصعيد مع انقرة.
ويشترط التعريف الاكاديمي لـ « genocide او الابادة الجماعية، ان يكون الهدف من عمليات القتل هو «القضاء على عرق او امة معينة»، وقد نحت هذا التعبير المحامي اليهودي رافائيل ليمكين في العام 1944 اثر تحقيقه في محرقة اليهود على ايدي االنازي.
اما سبب اهمية هذا الخلاف الحاد حول تسمية ماحدث للارمن، فهو ان ثمة عواقب قانونية وخيمة يمكن ان تترتب على اعتباره «ابادة جماعية»، وهو ما لا يتوفر في حالة كونه مجرد «مجازر» ضمن حرب عسكرية.
وبعيدا عن الجدال حول الاسماء، فان الاحياء الحقيقي لهذه الذكرى المؤلمة يكون بالادانة الشاملة لكافة المجازر وجرائم الحرب، سواء كانت ترتقي الى مستوى الابادة ام لا، والاهم بعمل حقيقي يوقف الجرائم التي مازالت تحدث امام اعيننا ضد الشعوب في اكثر من بلد بعد مائة عام من المأساة الارمنية.
ومع ذلك، واذا كان بعض المحتجين يصر على ان «حدوث مجازر مصحوبة بتهجير قسري يجب ان يسمى ابادة» فبماذا يسمي العالم تهجير قرابة مليون فلسطيني بعد ذبح الآلاف منهم على ايدي الصهاينة في العام 1948، خاصة ان هذه الجريمة تحولت الى «عيد استقلال» لاسرائيل تحتفل به هذه الايام، وتتلقى فيه التهنئة من كثيرين بينهم بعض العرب؟ وماذا يمكن ان يسمى ما حدث لمئات الآلاف من البشر في القرن الافريقي على ايدي الايطاليين؟ ولماذا عندما يكون الضحايا من العرب والمسلمين ينظر العالم الى الجهة الاخرى؟
مجددا ودائما، لاشيء على الاطلاق يبرر القتل والمجازر وجرائم الحرب والابادة الجماعية ايا كان من يرتكبها، وايا كانت هوية الضحايا.
ومع صعود تيارات العنف والارهاب تستهدف الابرياء بسبب معتقداتهم او انتماءاتهم تحت ستار الدين، فان المسلمين اولى من غيرهم في هذه المناسبة الانسانية بان يبادروا قبل غيرهم الى التبرؤ من كل هذه الجرائم التي لن تسقط بالتقادم، وستلاحق كل من يرتكبها او يدعمها او يبررها الى الابد.

رأي القدس



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا