>

الدين للديان والوطن للإنسان - البابا تواضروس الثاني

الدين للديان والوطن للإنسان
بقلـــم : البابا تواضروس الثاني

الدين فى طبيعـته يعمل على غرس وترسيخ قيم الخير والمحبة والسلام، وإزالة جذور الشر والانحراف من داخل أعماق كل إنسان، والقيم الدينية بصفة عامة تدعو الإنسان للابتعاد عن الشهوات والرذائل، ورفض الفساد والانحراف والاستبداد، وذلك بما يحمله الدين من فضائل وقيم روحية متأصلة فى اعماق الشعـب المصري، وهذه القيم من شأنها العـمـل على رفعة الإنسان، وتغيير حياته إلى حياة أفضل، وهذه القيم والمبادئ ترفع الإنسان فوق ما هو عـليه إلى ما ينبغى أن يكون عـليه، كما أن الدين أيضاً يدعو للمساواة والإخاء، وإلى الكرامة الانسانية، والعدالة الاجتماعـية وتكافؤ الفرص، وإلى مقاومة الفساد والشر والانحراف والتطرف والعـنف بكل صوره وأشكاله، وإلى بناء مجتمع قوى يقوم على أسس سليمة.
والثورات الشعـبية السلمية تقوم على اعـتقاد شعـبى واسع بتغـيير الواقع إلى ما هو أسمى وأفضل، وإلى العمل الصالح من أجل إصلاح الوطن ورفعـته وتقدمه وازدهاره، ومن أجل صالح المجتمع، ونداء الدين والوطن معاً هو الدافع من أجل العمل الوطني، ومن أجل إصلاح أحوال المجتمع. والثورات من منظور تاريخى هى تفاعل المخزون الحضارى والوطنى المتجذر داخل وجدان المصريين مع رفض ما كان يوجد بأرض الواقع من فساد واستبداد وانحراف، وبلا شك فإن بواعث قيام الثورات لا تخلو عادة من مؤثرات سياسية واجتماعـية ووطنية وروحية وانسانية وغيرها، كما أن الثورات تقدم كذلك للمجتمع كله دروساً مستفادة سياسياً واجتماعياً ووطنياً وأيضاً مبادئ وقيم روحية وإنسانية.
والثورات المصرية بكل تداعياتها غيرت الواقع فى كثير من مجالات الحياة السياسية والاجتماعية، ومنها أيضاً يمكننا استخلاص الدروس المستفادة، بما تحمله من مبادئ وقيم روحية واجتماعية ووطنية وانسانية، منها: تأكيد معـنى الرجاء والأمل، فإنه مهما تكن شدة الظلام لابد من بزوغ الفجر..وأن «فَوْقَ الْعَالِى عَالِيًا يُلاَحِظُ، وَالأَعْلَى فَوْقَهُمَا»(جامعة 5 : 8)،الله ـ تبارك اسمه ـ من أعـلى السموات يرى ويلاحظ ويعمل فى الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة. وأن القدرة الإلهية تعمل دائماً من خلال الأحداث .. وأن التغـيير هو قانون من قوانين الحياة .. وأهمية مبدأ «تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ»(رومية 12: 2) .. ومهما طال الزمن فالتغيير قادم .. وأن شعـب مصر لديه القدرة على التغـيير .. وأن مصلحة الوطن هى العـليا .. وأنه عـندما يكون الوطن فى خطر فكل ابنائه يصبحون جنوداً مخلصين للدفاع عـنه.. لذلك كان التكاتف والتلاحم الشعـبى والاندماج الوطنى حول هدف واحد هو مصلحة الوطن .. وكان شعـار «كلنا إيد واحدة».. هو رسالة واضحة لذوبان الفروق الطائفية أو الفردية من أجل المصلحة العـليا للوطن .. وأن التعايش المشترك هو صمام أمان لهذا الوطن .. ومن مبادئ الثورة:الكرامة الإنسانية، والحرية، والعدالة الاجتماعـية.. وغرس وترسيخ أهمية الوعى بالدور الوطنى لكل مصري، والاهتمام بالشأن الوطني، والمشاركة الوطنية الإيجابية، وأنه لا يستطيع احد ان يهمل صوتك، ولا ان يهمش دورك .. وأن الإنسان المصرى صبور يتميز بالصبر والاحتمال والجلد ولكنه لا يعرف معنى الاستسلام أو الخنوع..وأن شباب مصر بخير .. وأهمية دور المرأة المصرية التى هى نصف المجتمع وفى نفس الوقت هى التى تنجب وتربى النصف الآخر .. وأن الثورات دائماً هى صرخة أمل وصرخة عمل من أجل حب مصر .. وأنه لكى نصلح من مجتمعـنا عـلينا أن نصلح أولاً من أنفسنا .. وأنك إذا أردت اصلاح المجتمع أو الوطن أو العالم كله عليك أن تبدأ بنفسك أولاً.
وبلادنا «مصر» لها خصوصية فريدة بين دول العالم .. لأنها تحت عناية خاصة من الله. كل العالم محفوظ فى يد الله ولكن «مصر» محفوظة فى قلب الله وفى حدقة عينه، وقد منحها الله البركة الصريحة «مبارك شعبى مصر» (إشعياء 19 : 25) وبالتالى فهى تخضع للقوانين الإلهية قبل أن تنطبق عليها القوانين الأرضية، ويد الله هى التى تضبط حياة مصر التى عاش على أرضها السيد المسيح والعذراء مريم، وتحفظ حياة المصريين الذين عاشوا بينهم مهما واجه شعـبها من صعوبات أو ضيقات أو اخطار..وأن شعب مصر بالحقيقة بكل أركانه القوية التى تشمل: الجيش والشرطة والقضاء والأزهر والكنيسة والثقافة والإعلام والفن والمجتمع المدنى لا يقبل العـنف والتطرف والإرهاب، أو الإضرار بسلامة الوطن أو تشويه الهوية الوطنية، أو المساس بالرموز الدينية والوطنية..وأن مصر بخير، وهى وطن فريد بين أوطان العالم كله، له أصول وجذور، وله السبق الحضاري، وحضارته العريقة تشهد بذلك .. وله حاضر حى فعال فى تفاعلاته وأنشطته، وله بمشيئة الله مستقبل مشرق ومتجدد ومنطلق، وفى كل زمانه الماضى والحاضر والمستقبل محفوظ فى يد سماوية عـلوية تباركه وتحفظه من كل شر ..
والكنيسة القبطية كنيسة وطنية حتى النخاع، وتاريخها المجيد على مدى عشرين قرناً يشهد بذلك .. كما أن فكرة الوطن والوطنية والمواطنة واضحة فى الكتاب المقدس، وقد ورد عن السيد المسيح انه «.. جاء إلى وطنه ..» (متى 13: 54)، (مرقس 6:1)، كما وردت كلمة «وطن» على لسانه المبارك عدة مرات (متي13: 57)، (مرقس 6: 4)، (لوقا 4: 23، 24)، (يوحنا 4: 44).وقد تحدث القديس بولس الرسول فى الرسالة إلى رومية (13: 1- 7) عن الواجبات التى يجب أن يلتزم بها المواطن نحو وطنه، وفى الرسالة الثانية إلى كورنثوس (8: 14) والرسالة إلى كولوسى (3: 11) يبدو جلياً مبدأ المساواة الكاملة، وقد أشار القديس بولس عدة مرات إلى حقوق المواطنة فى سفر الأعمال (16: 21،37،38)، (22: 25- 29)، (23: 27)، (25: 10 - 21).
وحياتنا على الأرض هى مقدمة لحياة أخرى أبدية لا نهائية، ونحن نعـيش فى الوطن الأرضى نتطلع إلى الوطن السماوي، ومصيرنا فى الوطن السماوى يتوقف على جهادنا الروحى فى الوطن الأرضي، وأعمالنا الصالحة على الأرض تصنع لنا خلودا فى الوطن السماوي، وبهذا فان المواطنة الأرضية بأن أكون مواطناً صالحاً مخلصاُ لوطنى الذى ولدت وأعيش فيه تؤهلنى للمواطنة السمائية «نَتَغَرَّبَ عَنِ الْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ»(2 كورنثوس 5 : 8) .
وإذا كانت يد الواحد منا بيد الآخر .. وإذا كنا يداً واحدة .. إخوة متحابين متعاونين متآزرين .. فأبشروا بالخير لهذا الوطن .. وأبشروا بمستقبله .. وأبشروا بقوته وقدرته .. وإننا نؤمن بالله الواحد الذى وحـد مصر وحفظ وحدة أرضها وشعبها على مر العصور والقرون.. بالله الواحد وبالشعب المتحد وبالمحبة الوطنية وبالسلام الاجتماعي، وبالتعاون المشترك نستطيع أن نصد كل الأخطار، وأن نضع حداً لكل المؤامرات، وأن نواجه اعداء السلام .. وتحيا مصر بجهود وعمل شعـبها المبارك وجيشها العـظيم .. وكل التحية والتهنئة لرئيس كل المصريين الرئيس عبد الفتاح السيسى بمناسبة الاحتفال بثورة 30 يونيو، وبمناسبة بداية الفترة الرئاسية الثانية لسيادته، وفقه الله لقيادة سفينة الوطن والوصول بها لميناء السلام والأمان والازدهار..والتحية لشهداء الوطن الذين قدموا حياتهم من أجل سلامة الوطن وكرامته ورفعته ..إنها ثلاثية مصرية متكاملة: مساندة إلهية ورؤية قائد وإرادة شعـب .. حفظ الله مصر وشعـبها ورئيسها من كل شر.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا