>

الدكتور عمر الكبيسي : نعي وتابين الاستاذ الراحل الدكتور فرحان باقر رحمه الله

نعي وتابين الاستاذ الراحل الدكتور فرحان باقر رحمه الله

كل اطباء العراق وخريجي كلية الطب الملكيه والعراقيه بالذات من جيل الرواد الاوائل والجيل الثاني والثالث يدركون ويقيمون رصانة وعلمية وحذاقة استاذنا الراحل الدكتور فرحان باقر ، الشخصية التي نالت شهرتها وتكريمها في مراكز الطب العالميه بسبب ثمار جهوده وانجازاته الطبية في العراق ، لم يكن رحيله مبكرا فلقد تجاوز في عمره التسعين عاما ، ولكنه اختطف من العراق بسبب علميته ورصانة ادارته وتخطيطه بشكل مبكر وقد قضى ما يزيد على الثلاثين عاما الاخيره وهو في قمة العطاء والخبرة بعيدا عن الوطن جسدا وعطاء ، ولكنه في الحقيقة كان عراقي الهوى والتعلق لم يسعد ولم يهنئ الا في العراق بين زملائه وطلابه ومحبيه عاليَّ القامة مهيب الطلعه اين ما حل واين ما تواجد ، شخصية تعلق بدماثة خلقها وصواب حكمتها الرؤساء والمسئولين والطلبه والمرضى ناهيك عن الاساتذة والرواد في الطب ، شخصية كهذه لا يمكن ان تسلم من غيض وحسد الكثيرين ممن لا يملكون مؤهلاته وكفائته مما جعله ضحية العمل والعطاء ليطاح به بمكيدة من داخل الاسرة الطبية التي رعاها ويحال الى التقاعد المبكر مع غيره من كفاءات ورواد الطب العراقي وهي الحادثة التي تركت اثارا سلبية على مسيرة الطب ، وقد عبرت القيادة السياسية فيما بعد وادركت مثالب هذا القرار واعتذرت عندا اعادت العديد منهم في لجان تطوير الكليات الطبية ،ولكن عمق الجرح لدي الفقيد وكبريائه حالت دون عودته الدائمه قبل الاحتلال وبعده .
التقيته بعد عقد ونصف من اغترابه في الولايات المتحدة في العراق حين شارك الاستاذ فرحان في احد مؤتمرات المغتربين وكان بمعيتي المرحوم تلميذه المرحوم الدكتور جعفر الكويتي اثناء فترة الحصار وبقدر ما كان متلهفا للإستماع منا عن اخبار عيشنا وانجازاتنا المهنية في مجال طب القلب وجراحته ، كنا متلهفين جدا لمعالجة قضية اصراره على البقاء في الاغتراب ونقلنا له تطمينات العودة والاحتفاء به مكرماً عند عودته ولم يكن هذا الموقف ارتجاليا ولكنه الحقيقة ، وقلنا له ان قدومك هذا والترحاب بك دليل على حجم الفراغ الذي احدثه في اسرتنا الطبية ، وفيما كان قلقا عن طبيعة عيشه وعائلته التي يرعاها في اميركا ، قلت له والله شاهد على ما اقول يا استاذي الفاضل لم تقلق على عيشك في العراق ، والله ان سعر سجادة من مقتنياتك يضمن لك رفاه عقد من الزمن وبيتك الجميل هنا في بغداد لا يمكن ان تحضى بتعلقك فيه قصور اميركا كلها ومدينة الطب التي زهت بك بين طلابك لن تجدها في اي بقعة من بقاع الاغتراب مهما كانت مكانتها العلمية و وعدنا بخير ولكنه لم يغير قراره.
لقد عانى المرحوم وعائلته من الاغتراب معاناة كبيرة كنا نشعر بها من خلال لقائتنا به بعد إذن في مؤتمرات علميه طبيه في لندن وابوظبي وكان تواقاً لمعرفة كل صغيرة وكبيرة عن مسيرة الطب العراقي وروادها وانجازاتها .
والتقيت به بعد الاحتلال في بغداد بوجود زملاء ومحبين له في العراق من رواد الطب مرة في بيت اخيه في المنصور في بغداد ومرة في دعوة عشاء في داري وكان منهم المرحوم الدكتور عزت مصطفى والمرحوم الدكتور تحسين معله والمرحوم الدكتورمحمد علي خليل والمرحوم الدكتور عادل سليم والاستاذ الدكتور سعد الوتري والدكتور عبد الكريم هاني اطال الله عمرهما وطال الحديث عن كل شيء كان له فيه لمسة وحضور من ذكريات العصر الزاهر والعابر في مراحل النهوض بمسيرة الطب ، كما التقيته بعد ذلك بعد نزوحي الى عمان في الامارات العربيه وقد بدى عليه كثير من الامتعاض والقلق على مستقبل العراق والطب فيه وتحدث معي عن معاملته من قبل الحكام الجدد عند حضوره احد المؤتمرات الطبية في بغداد ، كما جرى بيننا عتاب حول اصدار كتابه الموسوم ( حكيم الحكماء من قاسم الى صدام) وانتقادي له وطمئنني ان له كتاب آخر سيوثق بشكل علمي لمسيرة الطب التي عاشها واسهم فيها بما سيرضي قناعتي بمستواه وعلميته . وقال لي آخر كلمة في لقائنا الأخير هذا العبارة التالية :(صدقني اني طموح لسماع ابيات شعرية مهداة لي وبنعيٍ عند وفاتي كما عودتنا بقلمك لتابين العديد من الاطباء الرواد رحمهم الله ) وقد نشر ذلك في أحد رسائله لي عندما انتقدت كتابه بكل أدب وتحفظ وتمنيت لو ان مذكراته فاقت مذكرات من كتبوا وهو جدير بذلك رحمه ولعله اوفى بذلك في كتابه الثاني عن الطب العراقي المعاصر .
اليوم مضى فقيدنا الراحل الاستاذ القدير والطبيب الحاذق فرحان باقر رحمه الله الى لقاء ربِ رحيم وكريم عسى الله ان يشمله برحمته الواسعة وفسيح جناته ، لقاء ما علّمَ ودرّسَ من اجيال بحرص واخلاص وعالج من مرضى بصدقية ونزاهة .
الفقيد فرحان باقر رحمه الله وانا اذرف الدموع حزنا عليه ذاكرا جميله ومتعلقا بأدائه وحكمة طبه وسمو معرفته وسلوكه عند كتابة هذه الكلمات ،هو الذي بذر أول لبنات التخصص الطبي العراقي في نفسي عندما كنت احد طلابه في دراسة الدبلوم في مدينة الطب وانا برتبة ملازم اول طبيب والتي فتحت ثمارها علي وعلى زملائي باب الايفاد والحصول على شهادة التخصص البريطانية في انكلترا بعدئذٍ انا والدكتور فاروق العزاوي أطال الله عمره والمرحوم الدكتور عضيد سالم من الطبابة العسكرية في حينها بفترة وجيزة في سنة واحدة وهي التي كان المفترض لها قضاء فترة إيفاد لثلات سنوات ومن اول محاولة امتحانية من مجموع ست واربع محاولات لإمتحانات تعد من اصعب الامتحانات .
خلال دراستي في الدبلوم في مدينة الطب كان المشرف علي اطروحتي الاستاذ الانكليزي البارع الكسندر باتن وهو اختصاصي كبير بامراض الكبد واديب وناشر ، بقى في العراق لمدة سنة وكان ذلك في عام 1973شهد خلالها ظاهرة ابو طبر الاجرامية والمرعبه . التقيت هذا الاستاذ في برمنكهام اواخر عام 1974 في مستشفى ديدلي رود الشهير . وفي غضون الحديث عن العراق ومدينة الطب في جمع كبير من طلابه الانكليز قدمني الاستاذ باتن بالكلمات التالية ( ضيفنا اليوم احد طلابي في بغداد ، شاب يحفظ كل مصادر الطب الحديثه عن ظهر قلب ، جاء هنا ليكمل دراسته وسترون مستواه ، لكني اريد ان أكشف لكم عن امرين حدثت لي في بغداد خلال وجودي فيها لا أعرف تعليل لهما , ظاهرة ابو طبر التي اخافتني وارهبتني كثيرا حيث كنت اسكن في منطقة المنصور التي شهدت بعضا من جرائمه ، وفي مدينة الطب التي درست بها كان لديهم استاذ في الطب اسمه فرحان باقر كنت اهابه لما يحمل من وقار ورصانة، أكثر مما تهيبني في اختصاصي بالكبد استاذتي ملكة طب الكبد في انكلترا عموما ( يقصد الاستاذه شيلا شيرلوك كما كانت تلقب) . هذا هو فرحان باقر كما يقيِّمه من يعرف سر شهرته ودماثة خلقه ممن زاملوه داخل العراق وخارجه .
ترك الاستاذ الراحل رحمه الله لمسات واقدة في ذاكرة كل عارف بالطب من رواده وكل طالب طب مجدٍ وحريص درس وتلقى على يديه المعرفة الطبية الرصينة وسلوك المهنة وصفات الطبيب الحاذق . ولكي أفي بطلبه مني في حياتي كتبت له هذه السطور التي لا تفي بعرفانه ، ونظمت فيه على عجالة الابيات التالية :
يا شمعة الطب يا فخراً بمهنته وفيّتَ فيه بما يكفي لنهضته
ينفذ ضياءك في اعماق من درسوا يا لاهباً في تفاصيلِ اختصاصته
غرست فينا علوما كنت رائدها وكنت فينا الدليل لدرب في دراسته
يعزُّ ان تفقد الاسرة الطبية رائدها مشرداّ وحزينا في اغترابته
سليل ابن عمران من بغداد يتركها للمغرب العربي ليسجَّى بمحنته
يا الكاظميٌ ويا ابن بغداد بنشئته كم كنت توَّاق بأن تدفن بجيرته ؟
يلفُّ نعشك علم عراقي ويحمله حشد الأطباء ومن يفخر بعرفته
احياءٌ تلهبنا أشواقٌ الى وطن نحيى بنسمته وندفن في ترابته
أعزي بفقدان الاستاذ الدكتور فرحان باقر عائلته الكريمه وابنه احمد وكريماته وأطباء عائلته من ابنء اخوته وكل محبيه واصدقائه وتلامذته وطلبته والاسرة الطبية العراقية ومرضاه والعراق الحبيب كله وسيبقى فقيدنا خالدا بانجازاته وبحوثه وعزائنا فيه ما خلف من اطباء وروّاد اجيال لاحقة نهلوا من سيرته فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر من الذين كتب الله لهم ان يعيشوا محنة الاغتراب والنزوح او الثبات والصمود في العراق لخدمة مرضاه والاسهام بتدريس طلبة الطب في جميع محافظاته وارجائه ، عسى الله ان يمنَّ على العراق الجريح باليمن والسلام لتعود الى الوطن العزيز كنوز ثروته العلمية والطبية المهاجرة لتسهم في بناء مستقبله وتهنئ بنعيم ثرواته وطيب عيشه وانا لله وانا اليه راجعون .
د. عمر الكبيسي
عمّان المحروسة عاصمة المملكة الأردنية في 21 تشرين الأول 2017.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا