>

الاستعمار: نهب أم إعمار؟ - د. وحيد عبدالمجيد

الاستعمار: نهب أم إعمار؟
د. وحيد عبدالمجيد

تثير الحملة الواسعة ضد كريستوفر كولومبوس الذى كان أول من اكتشف الأمريكتين، والتى ناقشتُها فى اجتهادات 8 ديسمبر الحالى محاكمة متأخرة، قضية الموقف تجاه الاستعمار بوجه عام.

وإذا كانت قصة كولومبوس تطرح السؤال عن كيفية تقييم دوره التاريخى، وهل نركز على الإنجاز التاريخى الذى حققه، أم على الانتهاكات والمذابح التى ارتكبها فى المناطق التى اكتشفها، فالسؤال مُثار بشأن الاستعمار أيضاً. فهل ننظر إلى ما ترتب عليه من قهر ونهب واستغلال، أم إلى ما أدى إليه من بناء وتطوير وفتح الباب أمام المستعمرات للانتقال إلى العصر الحديث؟ وقد أُثير هذا السؤال فى مصر على نطاق واسع عام 1998 فى مناسبة مرور قرنين على الحملة الفرنسية التى جاءت بالمدفع الذى قتل مصريين، والمطبعة التى علمت بعضهم وأنارت عقولهم.

ولا تقل قضية الاستعمار تعقيدا عن مسألة دور كولومبوس التاريخى. فهى موضوع للاهتمام فى أوساط ثقافية وأكاديمية معظمها فى أوروبا التى ارتبطت الظاهرة الاستعمارية بالدول الكبيرة فيها. وهى مطروحة الآن فى فرنسا من خلال النقاش حول عمل كبير شارك فيه كثير من الباحثين المناهضين للاستعمار، وهو قاموس الاستعمار الفرنسى.

قرأت أكثر من مراجعة لهذا العمل، ولم أجد فيما طالعته جديدا. كما تابعتُ كتابات غربية تباينت المواقف فيها بين إشادة بهذا العمل، وهجوم ضده لعدم تقديمه صورة كاملة للظاهرة الاستعمارية.

وهذا الخلاف ليس جديدا, إذ بدأ فى مرحلة مبكرة للغاية عندما كانت الظاهرة الاستعمارية فى مهدها. وكان دعاة الحرية والتنوير فى تلك المرحلة مختلفين هم أنفسهم على تقييم الظاهرة الاستعمارية.

ومن أبرز تجليات ذلك الخلاف تأييد جون لوك للاستعمار الإنجليزى، وإضفاء طابع رسالى عليه، ونقد جان جاك روسو وفولتير هذا الاستعمار وغيره باعتباره استرقاقا سياسيا، وامتدادا لاستعباد البشر. كما بدا بعضهم منقسمين فى داخلهم تجاه هذه الظاهرة مثل شارل دى مونتيسكيو.

وحتى كارل ماركس, الذى بنى فلسفته على تحرير عمال العالم من الاستغلال, بدا فى حيرة عندما أدان فظائع الاستعمار حينا، ووجده ضرورة لتحريك مجتمعات راكدة متخلفة غارقة فى الخرافة حينا آخر.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا