>

استحثاث العروبة

أيمـن الـحـمـاد

الاضطراب الشديد الذي عصف بالعراق منذ 2003، وفي سورية منذ 2011، أحدث حالة من الاختلالات العميقة والتأثر الشديدين لهذين البلدين على عدة مستويات تفاوتت بين قوية إلى حادة.

أحد أبرز معالم الاختلال ما تعرض له البلدان من محاولات واضحة وصريحة بإحداث خلل ديموغرافي وإثني كبيرين في كل من سورية والعراق لتحقيق أهداف جيواستراتيجية تسعى لها دول قريبة كإيران وأخرى بعيدة تتسق سياساتها مع طهران مهتمة بتغيير النسيج الاجتماعي وإعادة هيكلة التركيبة السكانية بما يتواءم مع مخططاتها بعيدة المدى في المنطقة.

جغرافياً تعد (العراق وسورية) البوابة الشمالية للعالم العربي، وتاريخياً هي محضن الحضارات التاريخية قبل الإسلام، وكانت أول الفتوحات الإسلامية موجهة إلى هذين البلدين، اللذين قد وقعا تاريخياً في فخ التجاذبات غير العربية بين كل من إيران من جهة، وتركيا من جهة أخرى، ومازلنا إلى يومنا هذا نشهد فصلاً آخر من هذه التجاذبات التي لم تستقر حتى الآن في لحظة يمر بها البلدان بمنعطف مفصلي ووجودي قد يغيرهما إلى الأبد.

ولأن الجغرافيا تصنع التاريخ والمستقبل كذلك، فقد كانت ومازالت هذه المنطقة الحيوية في العالم العربي مستهدفة، واستمراراً لأشكال هذا الاستهداف يحضر التشويه لهذين البلدين على كل المستويات بدءاً من الفصل بين العرب السنة والشيعة وعزلهما عن بعضهما عبر عدة إجراءات منها إثارة الطائفية، وإقامة حواجز اسمنتية بين الجانبين بدعاوى واهية يفنّدها تاريخ التعايش بين الطرفين، القيام بعمليات تطهير ممنهج وتهجير للعرب السنة خصوصاً المناطق التي يجمعها بإيران حدود كما حدث ويحدث في ديالى، وإحلال عوائل إيرانية في العراق ومحاولة تعريبها، وما يجري في سورية هو استكمال للحاصل في العراق، فقد تعاملت إيران بمعاونة النظام السوري بتهجير وتشريد عائلات في نطاق واسع من سورية إلى خارجها، والقيام بحركة تهجير تبادلية بين سكان قرى شيعية وسنية، كما جرى بين كفريا والزبداني، ولا يمكن إغفال عملية جلب المقاتلين الأفغان وغيرهم إلى سورية للقتال بجانب المليشيات الإيرانية، كل ذلك يحدث لأهمية هذين البلدين وثقلهما العربي.. الأدهى من ذلك هو استهداف اليمن أيضاً الذي يشكل رمزية لدى كل العرب فمنه جاء يعرب، وبالتالي فإن الإضرار بتلك الدول يكون عبر سياسات تستهدف عروبتها في المقام الأول، وباستغلال الطائفية كإجراء أولي تحاول طهران من خلاله انتزاع جزء من المكون الوطني في تلك الدول لصالحها ثم تتبنى قضيتها بعدما عملت على خلق مشكلة لذلك المكون، لتقود حالة من الشقاق المستمر والانكفاء وراء المذهب بعيداً عن المرتكز العربي المهم.. ونتذكر تصريح مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني علي يونسي يوم قال إن بلاده أصبحت إمبراطورية كما كانت في السابق وعاصمتها بغداد حالياً.

وأمام ذلك فإننا معنيون باستحثاث العروبة في تلك المناطق لأنها المستهدفة في المقام الأول، على أن يتم دون شوفينية متهورة مع استمرارية الحفاظ على التعددية التي كانت محل عناية في كل الدول العربية، وخصوصاً في الشام والعراق، ذاك التنوع هو الذي أسهم في إثرائهما بشكل واضح، بل وألغى كل الفروقات بين أبناء الشعوب العربية لولا دخول الشعوبيين بيننا.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا