>

إيران ومشروع الجيوبولتيك الشيعي

د. محمد السلمي


هل حان الحديث عن محاصرة طهران بجيوبولتيك سني وجيوبولتيك عرقي، وبخاصة أن الهضبة الفارسية محاصرة بشعوب غير فارسية داخل جغرافية إيران، علاوة على حزام دول آسيا الوسطى وباكستان وتركيا وأفغانستان
عندما اختطف رجال الدين الثورة في إيران عام 1979، ونجح الخميني في تأسيس نظام ولاية الفقيه السياسي، كانت الاستراتيجية الأولى لهذا النظام الوليد تتمحور حول ما يسمى بـ"تصدير الثورة"، ولذلك تجد أن تصريحات الخميني وأعوانه تكثف مثل هذا المصطلح، وبخاصة خلال الحرب العراقية الإيرانية.
هذا المشروع الضخم الذي أطر له الخميني وأنصاره كان رغبويا أكثر مما يكون واقعيا، ولا تملك إيران حينها -ولا تزال- أدوات تحقيق هذا المشروع على واقع الأرض. حاول النظام إنعاش هذا المشروع بما يسمى بـ"نظرية أم القرى"، التي أسسها وأطر لها محمد جواد لاريجاني، أحد أربعة أشقاء من عائلة لاريجاني، متنفذون في دوائر حكم ولاية الفقيه. هذه النظرية التي تقوم على تحويل مدينة قم، التي تحتضن الملالي والحوزات الشيعية، إلى عاصمة للعالم الإسلامي، وتبعا لذلك تصبح طهران التي لا تبعد عنها سوى 80 كيلومترا تقريبا العاصمة السياسية للدول الإسلامية. فشلت بدورها هذه النظرية الرغبوية أيضا، وزادت من ترهل المشروع الأساسي وتحولت مصطلحات الملتصقة بنظام ولاية الفقيه إلى عبء لا يمكن واقعيا الاستمرار فيه ويصعب في الوقت ذاته التخلص منه بسهولة.
الواقع أن طهران لم تستسلم، وأخذت تبحث عن البدائل الممكنة، والمهم أن تتجنب تكرار أخطاء الماضي القريب وتسعى إلى إيجاد مشروع يتناسب وقدرات النظام الإيراني، والأهم التحول من المباشرة في المواجهة غير المؤهلة لتحمل أعبائها ومخاطرها إلى الاعتماد على الأذرع الموالية في المنطقة كعامل أساسي في إنجاح المشروع.
من هنا تحول الحديث من تصدير الثورة إلى ما يسمى بـ"الجيوبولتيك الشيعي"، عبر تشكيل قوى وأذرع تابعة للنظام الإيراني من ضفاف البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى بحر العرب جنوبا، مرورا بالضفة الغربية للخليج العربي. يعتمد هذا المشروع الإيراني البديل على عناصر غير إيرانية في المقام الأول، بحيث تظهر إلى الواجهة ويبقى العنصر الإيراني في الظل وخلف الستار.
ولا شك أن إيران كانت تعتقد بأن هذا المشروع سيستغرق وقتا طويلا، لاسيما أن تشكيل تلك المكونات في الداخل العربي يحتاج إلى جهود كبيرة وسرية تامة قبل بروز النتائج، إلا أن حدثين رئيسين سرّعا من وتيرة التحرك الإيراني، وهما سقوط بغداد بعد الاجتياح الأميركي في عام 2003، واستغلال طهران لواقع العراق الجديد في ظل تهاون أو تواطؤ أميركي في تقييم الخطر الإيراني على المنطقة، وقد أسهم في ذلك أيضا انسحاب خليجي من الساحة العراقية لتتحول هذه البوابة الشرقية إلى ميدان رحب للنشاط التوسعي الإيراني. أما الحدث الآخر فيتمثل في الأزمة السورية التي وجدت إيران فيها فرصة لتحقيق هدفين رئيسين، أحدهما حماية النظام السوري من السقوط/ والثانية توسيع دائرة تواجدها في ظل ما يعصف بالمنطقة العربية من اضطرابات بعد ما يسمى بـ"الربيع العربي".
ترى إيران الجديدة أنه مع كل ما تملكه من مقدرات وثروات وموقع جغرافي مهم إلا أن ذلك لا يمكنه منفردا تحقيق طموحاتها التوسعية والهيمنة على المنطقة، لذلك يقول المنظرون في إيران إن أبرز ما يميز الجيوبولتيك الإيراني هو المذهب الشيعي، كون إيران هي الدولة الوحيدة في العالم الحاضنة للمذهب الشيعي وتمثل محور الارتكاز لشيعة العالم، وإنها بذلك تستطيع كسب قلوب الشيعة في المنطقة والعالم، وذلك يسهم في إنجاح الخطط الإيرانية، كما أن طهران تروج لمزاعم أن عزة وتمكين الشيعة في العالم مرتبطان بقوة إيران، وبالتالي فإن مساهمة الشيعة في تقوية إيران وتحقيق أهدافها محدد أساسي لمكانة بقية الشيعة في المنطقة. بعبارة أخرى، تقول إيران للشيعة عليكم دعم مشاريعنا في المنطقة ليتحقق لكم العلو والرفعة. من جانب آخر، عملت إيران على تشجيع الأقليات الشيعية في المنطقة على معارضة الأنظمة السياسية الحاكمة في بلدانهم، وإيجاد حراك مربك للأجهزة الأمنية في تلك المناطق ليحدث تكاملا مع الأهداف الاستراتيجية لطهران.
خلاصة القول، يتخذ النظام الإيراني استراتيجيات مختلفة وخططا متنوعة، بهدف إنجاح مشروعه التوسعي والطائفي في المنطقة، وتبقى دول المنطقة في حالة ردة الفعل والعمل على إخماد الحرائق التي تشعلها طهران، فهل هذا هو السبيل الناجع لمواجهة الخطط التخريبية لنظام الملالي؟ وهل تدرس دول المنطقة بدائل لذلك؟ وهل حان الحديث عن محاصرة طهران بجيوبولتيك سني وجيوبولتيك عرقي وبخاصة أن الهضبة الفارسية محاصرة بشعوب غير فارسية داخل ما يسمى بجغرافية إيران، علاوة على حزام دول آسيا الوسطى وباكستان وتركيا وأفغانستان؟
إن الأمر ليس قوة إيران ولا ذكاءها، بل تشتت الكلمة وعدم التفكير بقلب رجل واحد، فإلى متى يستمر هذا التشرذم؟
2016-10-13



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا