>

إعادة اكتشاف رئيس تحرير!


عزت إبراهيم

بيروت ــ أنعشت مناسبة العيد الـ 140 لتأسيس «الأهرام» ذاكرة الصحيفة من خلال القراءة العميقة لتاريخ استثنائى لا يقارن فى مشوار الصحافة العربية. الخيط المشدود بين القاهرة وبيروت لم ينقطع فى الصحافة مثلما لم ينقطع فى الثقافة والفكر والفن وجيل الرواد اللبنانيين فى مهنة القلم مثار فخار وزهو بين أجيال من اللبنانيين خاصة بما قدموه فى مصر فى أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. واحدة من ميزات إعادة قراءة تاريخ صحيفة عريقة أن تنقب فى التاريخ وتنفض الغبار عن شخصيات أثرت الحياة العامة لكن صفحتها فى التاريخ لم تأخذ حقها وفى مقدمة هؤلاء داوود بركات الذى تسلم رئاسة التحرير من جيل المؤسسين العظام آل تقلا، فكان بحق صاحب البصمة الفريدة التى وضعت أسس الأهرام كمؤسسة من مؤسسات الدولة المصرية بحق. من يعرف أن بركات كتب 7 آلاف مقال من علامات الفكر السياسى عندما جمعتها العائلة بعد وفاته بين دفتى كتاب ظهر كتابان مهمان فى دراسة تاريخ مصر المعاصر لا يلتفت إليهما الكثيرون وهما «السودان ومطامع السياسة البريطانية»، و«البطل الفاتح إبراهيم وفتحه الشام 1832»! فى حضرة داوود بركات، أقامت جمعية تحمل اسمه فى بيروت احتفالا فريدا يوم الجمعة الماضي، بجامعة سيدة اللوزية، تبارى فيه رموز المجتمع اللبنانى فى الحديث عن خصال شيخ الصحافة العربية الذى جلس على مقعد رئيس التحرير 34 عاما (1898-1932) قلب خلالها موازين المهنة وثبت أركانها، وقال عنه ممثل البطريريك المارونى مار بشارة بطرس الراعى أن الرجل الذى تسلم الأهرام أربع صفحات وسلمها 14 صفحة مشيرا إلى كلمة توفيق اليازجى «حياة الأهرام من روح داوود.. وروح الأهرام من إيمانه» وما قاله صاحب جريدة السياسة محمد حسين هيكل من أن داود بركات قد «تمثلت فيه إرادة أمة وثورة أمة.. أدى الوفاء للبنان الحبيب وأخلص الولاء لمصر العزيزة». كم الحب والتقدير لمصر والأهرام فى احتفالية بركات جاء على قدر ما قدمته مصر لكل تلك الشخصيات التى انصهرت فى البوتقة المصرية لتخرج إبداعا عظيما فى الصحافة والمسرح والثقافة والسينما والغناء.

الأفكار التقدمية لداود بركات لم تأخذ حقها مثلما حدث مع أسماء أخرى فى مطلع القرن العشرين ربما لأنه كان ينشر تأثيره على صفحات الأهرام ويعززه بدور سياسى مرموق لم يبرزه المؤرخون أو يعطوه حق قدره. يلفت الكاتب سهيل مطر، من جامعة السيدة اللويزية، أن كثيرا من الأفكار التى مازالت رائجة فى المحيط العربى اليوم تحدث عنها داوود بركات قبل أكثر من مائة عام ومنها: «الرجال فى كل أمة يقاسون بأعمالهم لا بأموالهم» و«خير للأمة ألا يكون لها نواب من أن يكون لها نواب يخدمون الأشخاص على حساب الوطن»، وهناك مقالات يتحدث فيها عن كارثة الخلط بين الدين والسياسة وهو بمثابة إنذار مبكر عن ظاهرة ندفع ثمنها اليوم حيث يقول «يجب تحطم الروحانية الزائفة وقراءة النص الدينى وفق متطلبات العصر»، وأيضا «بعض رجال الدين فى الشرق أصبحوا أصحاب حرفة يسعون من خلالها إلى كسب المال»!

ويقول رياض نخول صاحب كتاب «داود بركات شيخ الصحافة العربية»، الصادر حديثاً، إن بركات قد امتاز بأنه قد «خبا عنده الشعور الدينى لمصلحة الروح الوطنية» فهاجم تدخل رجال الدين فى السياسة وتبنى مبكرا «الجنسية الوطنية» دينا ودستورا وطرح العلمنة السياسية سبيلا لإدراك الوطنية الحقيقية المنبثقة من الاشتراكية العادلة كحل لقضايا الشرق المعقدة لكى لا تحيله جلافة تقاليده وموروثاته البالية والمتحجرة سطحا بلا عمق فتصب تنوعاته الحية فى القالب القاهر للغالبية العددية.

واتساقا مع دوره الوطني، كتب بركات مقالات لإعادة الاعتبار للثورة العرابية ثم وقف بصلابة مدافعا عن الزعيم مصطفى كامل وداعما لثورة 1919 فقال عنه محرر صحيفة البلاغ الوفدية «لقد وسع صدر الأمة حين ضيقت السلطة العسكرية الدنيا على صحافة مصر وكتابها، فكانت الأهرام هى الصحيفة التى نشر فيها الوطنيون دعوتهم وبعثوا منها إلى الأمة برسالتهم.. كانت الصحف فى عهد الاحتلال تناويء مصطفى كامل أو تخالفه إلا داود بركات فقد كان يصفو إلى الزعيم الوطنى بالود ويشايعه ويظهره وينصره بقلمه وبجريدته الأهرام«. ويشير نخول إلى أن بركات كان يستغل موقعه فى «الأهرام» لبث أفكاره الإصلاحية متأثرا بالثقافة الأوروبية- وهو فيما يبدو منهاج سارت عليه الصحيفة فى قيادة التحديث والتطوير فى المجتمع المصرى والعربى حتى يومنا هذا.

وكان بركات من مهندسى المقاومة الثقافية ضد المحتلين على اختلاف أنواعهم فيما كان الخط القومى العربى يسير بالتوازى مع فكرة الانتصار لاستقلال لبنان. وقد اعتبر الصحفى الكبير نجيب كنعان مساهمات داود بركات فى طرح فكرة ظهور الجامعة العربية بمثابة مشاركة فى التأسيس حيث قال إن الجامعة قد تكونت فى مكتبه قبل إعلانها بسنوات. ومصير لبنان كان هماً خاصاً لشيخ الصحافة حيث تشير المراجع اللبنانية إلى اجتماع «بيكو»، المسئول الفرنسى عما عرف فيما بعد باتفاقيات سايكس- بيكو بين إنجلترا وفرنسا، بكل من داود بركات وأنطون الجميل وجبرائيل تقلا وأوغست أديب فى عام 1918 لاقناعهم بالتخلى عن امتيازات لبنان واستقلاله، لكن بركات رفض وتمسك بالكيان المستقل بضمان الدول الكبرى وفيما بعد تردد أسمه مرشحا لرئاسة البلاد إلا انه رفض! كما كرس بركات قلمه للقضايا العربية داعيا دوماً إلى مواجهة سلطة العثمانيين وعملية «التتريك» وأسس «حزب الاتحاد اللبناني» ليكون نواة المقاومة فى وجه الانتداب الفرنسي.

ويوضح نخول أن فى لحظة انكشاف عملية تقسيم المنطقة وصدور «وعد بلفور» أسس الحزب «الاتحاد السوري» المطالب باستقلال سوريا الطبيعية «بضمانة الدول الكبرى مع مراعاة وضع لبنان المستقل بحدوده التاريخية» طارحا كيمياء سياسية خاصة ما بين الاتحاد السورى واللبناني. وفى وداعه، كتب أحمد زكى باشا قائلا: «أيها الناس لقد دفنتم فى هذا القبر قلما، أمضى من السيف وأنور من البدر.. قلم كان أمة لوحده.. دافع عن مصر والعروبة وأيضا عن الإسلام».

حياة داوود بركات لم تكن عابرة فى تاريخ مصر المعاصرة وقد طالت سيرته الإهمال مثلما طالت شخصيات كثيرة لكن «الأهرام» و«جمعية داود بركات الثقافية» يمكنهما تنوير المصريين واللبنانيين المعاصرين بصفحات عطرة من سير عظيمة لا نعرف عنها اليوم سوى قشور!.

ezzatibrahim@yahoo.com



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا