>

أوهام بعضهم وحقائق الواقع


د. محمد صالح المسفر



رأت بعض ما كتب عن مؤتمر باريس لقوى المعارضة الوطنية العراقية (28 ــ 29 مايو أيار/ الماضي)، وقد تناوله بعضهم بالنقد الجارح والسطحية المخلة، بغية الحط من شأنه، لأنهم لم يحضروا وقائع جلساته، ولم يشاركوا في ما توصل إليه المؤتمرون.
(2)
لا يهدف كاتب هذا المقال إلى الدفاع عن المؤتمر وما نتج عنه، ولا يهدف إلى الرد على بعض منتقديه، ورفض كل ما نتج عنه ولو في صيغة مشروع، ولا الرد على ما كتب عني سلبياً.
وعلي أن أبيّن أنني قلت، في كلمتي في الجلسة الافتتاحية، مناشداً كل أبناء العراق الشقيق، تأييدهم المطلق بناء تنظيم عراقي جديد، فكل الأحزاب التي نشأت في العراق قبل الاحتلال “قيل” إنها انتهت، وعليكم بناء هذا التنظيم الذي أنتم بصدده.
وذكرت الأحزاب التي قيل إنها انتهت، البعث والحزبين الشيوعي والإسلامي. انبرى أحد الذين كتبوا، في هذا الشأن، محتجاً على ما قلت، ويؤكد أن حزب البعث، بعد الهزيمة الشنعاء عام 2003 لم ينته، وإنه تفاوض، وما برح يتفاوض مع الإدارة الأميركية وفرنسا وحتى بريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي، من أجل مستقبل العراق والعملية السياسية، وراح ذلك الكاتب يستعدي على كاتب هذه السطور حكومات الدول الكبرى ودول مجلس التعاون، وخصوصاً دولة قطر، لأني أشكك في معلوماتهم عن العراق، وأنهم لا يفهمون، كما قال.
والحق إن هذه الدول التقت مع كل أطياف المعارضة للعملية السياسية القائمة في العراق نتيجة الاحتلال عام 2003، وليس مع حزب البعث بمفرده.
يردّد حزبيون في “البعث” أنهم على تواصل مع الإدارة الأميركية. لكن، لماذا ينكرون على القوى الوطنية الأخرى، التي ترفض العملية السياسية، التواصل مع الإدارة الأميركية من أجل عراقٍ حر مستقل، من دون طائفية مقيتة حاقدة، ونفوذ إيراني واضح؟ لنفترض أنني قلت إن الأحزاب التي كانت قائمة في العراق قبل الاحتلال انتهت، هل من شك في ذلك؟ ألم تنته سلطة حزب البعث في العراق كحزب حاكم بعد عام 2003.
الأعلام التي ترفع اليوم في كل أجزاء العراق هي أعلام داعش، وأعلام حزب الدعوة الطائفي العميل لإيران، وأعلام الحشد الشعبي الشيعي، بقيادة قاسم سليماني الإيراني، وعلم العراق في ظل حزب البعث لم يعد له سارية يرفع عليها، العلم أو الراية هو الإقرار بوجود صاحبه.
لا جدال في أن على أرض العراق مقاومة وطنية للوجود الإيراني والأميركي وللمحاصصة والعملية السياسية التي فرضها المحتل، ولا يمكن لعاقل أن ينكر ذلك.
لكن هذه المقاومة ليست حكراً على حزب البعث وحده. هناك قوى وطنية عراقية من كل أطياف العراق، ولا يجوز للحزبيين البعثيين الادّعاء باحتكار المقاومة وحدهم، وعند أهل المعرفة بالمقاومة العراقية لا تزيد مساهمة الحزب عن 4 %، وهذه القوة تمثل البعث العربي الاشتراكي.
(3)
يعترف أحد المخلوقات، التي تمارس الكتابة مدفوعة الثمن، بأن هناك فراغاً سياسيّاً في العراق، ويطالب بطي صفحة الماضي. ألا يعني ذلك طي صفحة حزب البعث، الذي كان يحكم العراق إلى أن وقع الاحتلال سنة 2003.
يسترسل ذلك الحزبي في القول إن أحزاباً سياسية وطنية مضى على تأسيسها في العراق قرن، ويذكر التيار القومي العربي، والحزب الشيوعي العراقي الذي مضى على تأسيسه أكثر من ثمانين عاماً، وحزب البعث أكثر من سبعين عاماً، كما يقول.
وسؤالي المتواضع: ماذا قدمت تلك الأحزاب للعراق، مجازر الحزب الشيوعي في العراق تشهد عليها شوارع المدن العراقية الكبرى، وانتهى بلا عودة، وحزب البعث انتهى من السلطة باحتلال العراق . ولكي أكون منصفاً حزب البعث، فإنه في زمن صدام حسين قدم الكثير للعراق على مستوى التعليم والصحة وبناء جيش وطني، لكنه مع الأسف الشديد ترك المائدة تعبث بها فئران العراق.
وأخيراً، وشت عناصر حزبية عن مقر اختفاء الشهيد، صدام حسين، زعيم حزب البعث، ليتم القبض عليه، ورأينا النهاية على كل وسائل الإعلام.
مَن حاكمَ الرئيسَ الشهيد صدام حسين؟ ألم يكن المدعي العام لسلطة الاحتلال وحكومة العملية السياسية المقيتة أحد قيادات حزب البعث، المدعو منقذ الفرعون؟ ومَن طالب بإصدار حكم الإعدام على الرئيس صدام ورفاقه، أليس المدّعي العام؟ أستطيع القول، بلا تردّد، إن حزباً كان بعض قادته مثل هؤلاء قد انتهى.
يحتاج حزب البعث العربي الاشتراكي إلى عقد مؤتمر لشرفائه، لإجراء مراجعةٍ شاملةٍ وعزل المندسين والمتسلقين على قوائمه، ونقد المرحلة السابقة بكل شجاعة، وحل التنظيم القائم اليوم، وإنشاء “حزب البعث العربي الاشتراكي الجديد”، أو الانضمام إلى التنظيم الناشئ “المشروع الوطني العراقي” كأفراد يعملون جميعاً من أجل عراق جديد.
(4)
مؤتمر باريس، الذي وضع حجر الزاوية لقيام تنظيم سياسي سمي “المشروع الوطني العراقي”، لم يكن مصنعاً على عجل، كما كتب بعض أصحاب الأقلام المأجورة، فقد جرت مداولاتٌ لمدة أشهر متعدّدة، واتصالات لم تنقطع بين الأطراف المؤسسة في الداخل والخارج. إنه ليس أحادي التشكيل. دعيت كل الأطراف، بعثيين وإسلاميين وشيوخ عشائر ومجالس عسكرية، لم يُستثنَ أحد، لكن بعضهم اشترط الرئاسة والقيادة وإلا فلن يحضر. إنه ليس مؤتمراً/ مشروعاً فارغ المضمون، كما قال أحد الكتبة، بل له رؤية وطنية ومشروع تحرير العراق من قبضة المليشيات وعصابات نهب خيرات العراق. تعالوا إن كنتم صادقين نبني جميعاً تنظيماً بعيداً عن الطائفية والحزبية المقيتة المتنافرة. إنه المشروع الوطني العراقي.
(5)
أستغرب اندفاع أصحاب المقالات مدفوعة الثمن إلى توجيه النقد إلى قطر، أو أية دولةٍ خليجيةٍ، تعاونت مع القوى الوطنية العراقية، من أجل توحيد صفوفها، وتوفير مكان انعقاد اجتماعاتها، من دون تدخلٍ في سير أعمالها أو فرض برنامج سياسي على تلك القوى الوطنية. كان من المفترض على تلك القوى، إن كانت بحق وطنية، أن تقدم الشكر والعرفان بالجميل لدولة قطر لمواقفها النبيلة تجاه العراق. وليعلم صغار الحزبيين في “البعث” أن أول طائرة تكسر الحصار على العراق في مطلع تسعينيات القرن الماضي كانت قطريةً، تحمل مواد إغاثة للشعب العراقي المحاصر، وليعلم الصغار أن أول سفير عاد إلى بغداد، بعد عملية تحرير الكويت، كان القطري. فهل تخرس تلك الأقلام المأجورة؟
آخر القول: ستبقى قطر، قيادةً وشعباً، نصيرةً لحق الشعب العراقي في اختيار نظام حكمه. وليعلم أصحاب الأوهام الذين يعتقدون أنهم يملكون قوة قاهرة لتحرير العراق بمفردهم أن هذا كلام فارغ، فالواقع يكذب ذلك، وعليهم تبني المشروع الوطني العراقي، وليكون العراق فوق الجميع.

المصدر | العربي الجديد



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا