>

ألم يسرق شوقي من قبل: الليث ملك القِفار؟


د. محمد الاحمري

حين قرأت نص شوقي “ملك القفار”، وقرأت النكتة التالية له، لا بل نكتتين، شككت في الشاعر أحمد شوقي وقلت: لعله سرقها من الساخر التركي؛ فشوقي يتقن التركية وترجم عنها بعض المقطوعات، أم إنه مما يُسمّونه وقْعُ الحافر على الحافر؟ وكم أتمنى ألا يكون شوقي من السارقين! فهو شاعر نحبه لجمال نبرته وغنى عاطفته، ولالتقائنا مع رؤيته في كثير من الأحيان.

وكان العقاد -الذي لا يعجبه العجب- قد اتهمه بالسرقة من القدماء ألفاظًا ومعاني، غير أن العقاد لا يجيد التركية، فلعله لم يعثر على ما ندعيه في هذا المقال. ولم يسلم شوقي من تهم كثيرة، فقد نبزوه بالتناقض الذي جعل أحد النقاد الكبار يكتب عنه مقالاً ضافيًا يصف نفسيته وسلوكه.

والقول هنا إنني لا أتهمه بالسرقة ولكن أتساءل، ولاحظ أني قلت: “لعل” ولم أحقق. قال أحمد شوقي في “الليث ملك القفار” معبرًا عمّا ألمّ بملك القفار من سوء توزيع المناصب وفشل الوزراء، وكان ملك القفار قد سئم من توزير الأفذاذ وما يرهقونه به من تصحيح المواقف ونزاهة القرار، فالوزير الفذ متعب؛ لأنه مُنجب، أما الوزير التافه فسهل القود، لكنه -في القصة- يورد نفسه وسيده موارد الفشل والفناء وانحلال المُلك.

ولما تعب ملك القفار بحسب شوقي عيّن الحمار رئيسًا للوزراء، أو كما يُسمّونه المغاربة “كاتب الدولة”، ورقّاه فوق الوحوش التي ضحكت من القرار وفرت في القفار. وهذه نبذة من المسرحية:

قال الحمار وزيري قضى بهذا اختياري

فاستضحكت ثم قالت ماذا رأى في الحمارِ؟

وخلفته وطارت بمضحك الأخبارِ

حتى إذا الشهر ولّى كليلة أو نهارِ

لم يشعر الليث إلا وملكه في دمارِ

القرد عند اليمين والكلب عند اليسارِ

والقط بين يديه يلهو بعظمة فارِ

فقال من في جدودي مثلي عديم الوقارِ؟

فجاءه القرد سراً وقال بعد اعتذارِ:

يا عالي الجاه فينا كن عالي الأنظارِ

رأي الرعية فيكم من رأيكم في الحمارِ

وميزة شوقي صياغة النكتة المسروقة –ربما- مسرحيًّا بطريقة مجلس الحكومة أو الشورى عند ملك القفار.

أما ما قرأت في مذكرات محمد كرد علي فقصة طريفة، زعم أنه قرأها باللغة التركية، وقدمها للضيوف بالفرنسية، زاعمًا أن صحفيًّا تركيًّا ساخرًا كتبها يسخر من السلطان ومقربيه الذين لا يحسنون اختيار الرجال للمناصب في العصر العثماني.

وهنا مختصر النكتة، ومن يعرف كرد علي فلا بد أن يختصر قوله، فهو -باعترافه- في النكتة يطيل القول، ولا يسمح للجليس بالكلام. وكنت قد قرأت في كتاب للكاتب اليهودي الفرنسي “روم لاندو” أنه حضر احتفالاً في بيت كرد علي فأثنى على كرمه.

وبما أن كرد علي كان يجيد الفرنسية، فقد كان هو المترجم بين الكاتب ومن حضر من العرب، غير أن “لاندو” لاحظ أن ترجمة كرد علي أطول بكثير من قول المتحدثين! وهذه الصفة عريقة فيه، ويعترف بها هو نفسه في مقاله “نكتة” (المذكرات، ج2، ص. 346-347).

وكان قد كتب المقال بمناسبة لقاء غداء دعاه إليه رئيس الوزراء في زمانه الشيخ تاج الدين، لإكرام المسيو بينار (كاتم سر البعثة العلمانية في باريس)، مع مديري المدارس العلمانية في بيروت وحلب ودمشق. وكرد علي أديب خفيف الظل يؤنس المجلس، فطلب منه الآدبُ أن يقصّ عليه نكتة سمعها منه من قبل، فقصها عليهم، وأوردها هنا مختصرة. قال: “كان في الآستانة في آخر أيام دولة بني عثمان شاب أديب معروف بخفة الروح وسعة الفضل، وهو صاحب جريدة هزلية اسمها قره كوز (أي: خيال الظل). وكانت لكثرة ما تحوي من المغزى تُترجم بعض الصحف الألمانية والفرنسية ما ينشر فيها من النكات والقصص، واسم منشئها صلاح الدين بك جمجوز.. وكان نائبًا في مجلس النواب عن مدينة إستانبول.

سأله بعض المكارين ذات يوم رأيه في الحاج عادل أفندي رئيس مجلس النواب العثماني فأجابه: إنه رئيسنا، وليس من حقي أن أقول فيه إلا خيرًا، فقال السائل: قل لنا ما درجته من المعرفة؟ وهل يليق بهذا المنصب الكبير؟ فقال: هذا ما لا أعرفه، ولما ألح السائل قال: إذاً أقصّ عليكم قصة وأنتم وشأنكم، وأنشأ يقول: “كان في سالف الزمان جمّال رأى لما أشرف على الموت أن يجمع جِماله ويطلب منها وهو في آخر عهده بأيام الدنيا وأول عهده بالآخرة الصفح عما بدر منه نحوها مذ كانت في خدمته، فقد يكون ارتكب معها أمورًا ما كانت منه عن قصد، كأن يضربها بعصاه، ويشحّ عليها بالعلف أو الماء، أو يسير بها مراحل طويلة، أو يحملها أحمالاً لا تطيق حملها، إذا نفق معه بعض الجمال فيحمل الجمال الحية حمولة ما نفق معه إلى غير ذلك.

وكان هناك جمل في أخريات الصفوف فتقدم قائلاً لصاحب الجمال: كل ما بدر منك نقيم لك الأعذار فيه، وليس لنا أن نؤاخذك عليه إلا مسألة واحدة لا نغتفرها لك، وهي أننا كما ترانا مائة جمل طوال عراض، وأنت ما برحت طوال الوقت الذي قضيناه في أسفارك تقطرنا بذنب حمارك الصغير الذي تركبه، هذا ما لا يسعنا السكوت عنه.

فضحك المدعوون… وكأن الحضور طبقوا القصة على الشيخ تاج الدين. ولما انصرف المدعوون آخذني الشيخ على استئثاري بالكلام في الدعوة، زاعمًا أني لم أترك لغيري مجالاً ليتكلم في نوبته، فقلت له: لقد حرت في أمري معك، إذا سكتُ تطلب مني الكلام وإذا تكلمت ترميني بالإكثار”.

تلك نكتة من الزمن الجميل، حين كان للأدباء ألسن وللسياسيين عقول كبار، فلم يأبه الضيف الأديب أن يقول نكتة جارحة قد تمس صاحب الدار، ويخرج كلاهما منشرحًا مرفوع الرأس عالي المقدار.

ورحم الله شوقي، فـ: “إن المصائب يجمعن المصابينا”.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا