>

أسرار اغتيال زعماء حرب البترول - أنور عبد اللطيف

أسرار اغتيال زعماء حرب البترول
أنور عبد اللطيف

تقول الحكاية العربية القديمة.. إن الأمير الطموح الذى يشغل منصب ولاية العهد فى الإمارة رأى أن يستفيد من التاريخ وتجارب الآخرين، فاستدعى فيلسوفا وطلب منه كتابة تاريخ العالم ليستفيد منه فى وضع خطط لتطوير بلاده، واستغرقت كتابة التاريخ عدة سنوات من الفيلسوف وضعها فى عشرة مجلدات، ثم وضع المجلدات العشرة التى كتبها على ظهر خمسة من الجمال، وأخذ طريقه للقاء الأمير، وجده أصبح ملكا بعد وفاة والده، وفى بداية اللقاء قال الملك الجديد للفيلسوف: لا يتسع وقتى لقراءة هذه المجلدات، استأذنك أن تختصرها، واستجاب الفيلسوف، لطلب الملك وعاد بعد عشر سنوات أخرى وهو يحمل على ظهر ثلاثة من الجمال ستة مجلدات فقط، وعندما استقبله الملك كانت مسئولياته قد تضاعفت وزادت همومه، فطلب منه أن يكتب ملخصا لهذه المجلدات الضخمة حتى يتمكن من قراءتها والاستفادة منها، وعاد الفيلسوف أدراجه واجتهد فى تلخيص تاريخ العالم فى مجلد واحد وبعد سنة كاملة وضع المجلد على ظهر جمل صغير وتوجه به للقاء الملك، ولكنه وجد الملك الذى تقدم به العمر ينام على فراش المرض، فنظر الملك للمجلد الوحيد قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة وقال للفيلسوف: ها أنذا أرحل عن العالم دون أن أتمكن من تحقيق حلم الاستفادة من دروس التاريخ، فقال له الفيلسوف: لابأس يا مولاى الملك سألخص لك تاريخ البشر فى ثلاث كلمات؛ ولدوا وتعذبوا وماتوا!


ش
وحين انحنى ليتأكد من وصول خلاصة حكمته إلى أسماع الملك المريض كان الأخير قد فارق الحياة، تذكرت هذه الحكاية البسيطة وانا أتأمل النظام العربى الآن بعد الخراب الذى حل بالعديد من الدول العربية قبل ثورة 30 يونيو والذى يهدد الآن دولا أخرى يربطها تحالف استراتيجى مع أمريكا، والله العظيم تذكرت الموقف العربى اثناء حرب اكتوبر 1973حين قررت الدول العربية المنتجة للبترول والسعودية فى الطليعة لتخفيض انتاج البترول بنسبة 5% شهريا للضغط على الدول الغربية حتى تنسحب إسرائيل الى حدود ماقبل 1967،ولم يقتصر الأمر على دول البترول العربية بل امتد الى الدول المنتجة المستقلة التى قررت رفع سعر بترولها 70% من 3 دولارات إلى 5.12 دولار إضافة الى حظر تصدير البترول الى الدول التى يثبت تأييدها لإسرائيل بما فيها الولايات المتحدة، وهى ضربة سجلها الأستاذ هيكل فى كتابه أكتوبر 73 المال والسلاح، واعتبرها كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية وقتها ضربة لايمكن قبولها لهيبة ونفوذ دولة فى مقعد قيادة العالم، ودعا الملك فيصل يرحمه الله السفير الأمريكى فى الرياض وأبلغه ان السعودية ستخفض انتاجها بنسبة 10% ورفض استقبال كيسنجر. هذا الموقف العربى الصلب الذى دفع سفير ألمانيا الغربية أن يشكو لمحمود رياض أمين عام الجامعة بسبب تأثير البترول على بلاده قائلا: ماذا تريدون، نحن نعلن فى كل مناسبة تمسكنا بتنفيذ قرار مجلس الأمن 242 كاملا، فرد عليه محمود رياض: إن الدولة الصغيرة جامبيا لم تكتف بالمطالبة بتنفيذ القرار بل قطعت علاقتها بإسرائيل!، كما طلب السفير البريطانى الرئيس السادات يرجوه ان يرفع الحصار عن باب المندب، ووعده السادات إن ينظر فى الأمر على ضوء حسن السير والسلوك!.

أخشى أن تموت الجامعة العربية والنظام العربى قبل أن تتعلم أو تأتيها خلاصة دروس التاريخ فى الوقت الضائع كما مات الملك قبل أن يأتيه الفيلسوف بخلاصة دروس التاريخ بعد فوات الأوان، فإن جامعة الدول العربية, التى عمل أمينها العام مع العملاق محمود رياض أثناء حرب أكتوبر الكرامة فى 1973،ـ يبدو أنها ستموت قبل أن تتعلم من درس اغتيال عصابات الإرهاب الدينى لكل أطراف حرب البترول من فيصل والسادات، واحتلال بغداد بأكاذيب أمريكية عن أسلحة دمار شامل، بل إن نفس الجامعة هى التى اجتمعت بعد أحداث الربيع العربى وأعطت الحق لدول التحالف لضرب ليبيا من الجو، فاشتعلت فى هذه الدولة العربية النيران من الجو والبر والبحر دون أن يهتز للجامعة جفن، وهى الآن تواصل الشجب والتنديد بإغلاق القنصلية الأمريكية فى القدس دون أن تنعقد قمة عربية أو حتى يجتمع مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية لموقف صلب إزاء نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس ذاتها ولم تطالب الجامعة العربية بحقها فى حضور مؤتمر هدفه تقسيم سوريا تحت لافتة الوضع فى إدلب تحضره تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا، دون دعوة أى دولة عربية ولا حتى السوريين أنفسهم، ومازالت الجامعة ونظامها العربى ينتظران من يلخص لهما أحداث التاريخ رغم وضوح أسباب اغتيال فيصل والسادات وصدام والقذشافى وعبد الله صالح، لكنى أخشى أن يأتى الفيلسوف هامسا بالخلاصة فى أذن الجامعة قبل أن تحتضر فى ثمانى كلمات: أن العرب ولدوا وعاشوا حتى حرب أكتوبر. وماتوا!.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا