>

أزمة الجاسوس المسموم - نبيـــل عمــــر

أزمة الجاسوس المسموم
نبيـــل عمــــر

مثل سيناريوهات أفلام الخيال العلمى مضت الأحداث بين بريطانيا وروسيا متصاعدة إلى حافة جبل الصدام دون أن تسقط منه، هل يعقل أن يصل التوتر إلى جلسة خاصة فى مجلس الأمن وطرد مئات الدبلوماسيين فى 20 دولة بسبب محاولة قتل جاسوس سابق «أسبغت عليه» لندن حمايتها؟، هل جن العالم وفقد السيطرة على أعصابه ليمسك نصفه الغربى فى خناق روسيا عقابا لها على هذه المحاولة، ألا يمتلئ كوكب الأرض بآلاف الجواسيس يتحركون فى كل شبر ويسقط بعضهم قتيلا أو سجينا فى اللعبة الخطرة؟، ما الجديد الذى أوصل اللعبة إلى وهج التصادم حتى إن مواطنا مصريا على مقهى بلدى يبعد عن الدولتين ما لا يقل عن ثلاثة آلاف كيلو متر تقريبا يسأل بجدية: كيف سينتهى الموقف الملتهب بين روسيا وبريطانيا؟

سؤال منطقى للغاية فلم يحدث أن بريطانيا سلكت هذا الطريق الذى تنتشر على جانبيه عمليات التجسس المتبادلة لأكثر من سبعين سنة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية..

ما الذى يمثله الجاسوس سيرجى سكريبال لبريطانيا سواء قتله مجرم محترف أو اغتالته المخابرات الروسية؟

وسكريبال كان عقيدا بها حين جندته المخابرات البريطانية (إم 16) فى التسعينيات من القرن العشرين، وخدمها ما يقرب من 20 عاما، قبل أن ينكشف أمره، ويحكم عليه بالسجن 13 سنة، لم يقض منها سوى أربع سنوات فقط، وأفرج عنه فى صفقة تبادل جواسيس فى عام 2010، صفقة شملت «آنا تشيبمان» الملقبة بـ«الجاسوسة الأكثر سحرا»، وهى بريطانية الجنسية كانت مسجونة فى الولايات المتحدة.

المدهش أنها ليست المرة الأولى التى تعلق فيها بريطانيا اتهامات بقتل جواسيس فى رقبة روسيا، فعلتها من قبل فى عام 2006، فى قضية «الكسندر ليتفينينكو»، وكان الكسندر ضابط مخابرات أيضا، واستيقظت موسكو ذات صباح مع بدء الألفية الجديدة لتجده قد فر إلى لندن معلنا عليها حرب تشهير واسعة، من أول محاولة اغتيال ملياردير روسى إلى تدبير التفجيرات التى تبرر بها شن الحرب على الشيشان.

كظمت موسكو غيظها وعملت نفسها «نائمة فى العسل» ست سنوات كاملة، حتى مات الكسندر فى الرابع من فبراير 2006، بعد ثلاثة أيام من شربه كوبا من الشاى المسموم بمادة «اليورانيوم»، ولم تنكر إلا بعد أن وجهت سلطات التحقيق اتهاما مباشرا، طال الرئيس الروسى نفسه «فلاديمير بوتين»، الذى كان يرأس «إف.إس.بي» وقت أن عمل به الكسندر، وإف إس بى هو الجهاز الذى ورث الكى جى بى من الاتحاد السوفيتى بعد انهياره. وكل ما عملته لندن وقتها أنها طردت أربعة دبلوماسيين روس، وردت عليها موسكو بالمثل وعادت المياه إلى مجاريها بعد شهور قليلة، دون أن تتدخل 20 دولة غربية وتمضى على درب لندن فى طرد الدبلوماسيين الروس، بل إن لندن لم تصعد الأمر إلى مجلس الأمن، تحت زعم استخدام غاز كيماوى محرم دوليا فى تسميم الجاسوس سكريبال، كما لو أن اليورانيوم المشع أقل خطورة من الغاز!

ولا يمكن تصنيف عملية سكريبال فى خانة الأخطر ضد بريطانيا فى تاريخ العلاقات السرية مع روسيا، فمازال العالم يذكر حتى وقتنا هذا «فضيحة العصر»، التى انفجرت فى عز الحرب الباردة ، فى أوائل الستينيات من القرن الماضي، وهى الفضيحة التى تورط فيها وزير الدفاع البريطانى وقتها جون بروفومو.

كانت الحرب الباردة قد اندلعت فى بداية الخمسينيات كإعصار جامح يبتلع كل ما يصادفه فى الطريق، بشرا ونظما وعلاقات دولية، كانت الولايات المتحدة ومعها حلف الناتو والاتحاد السوفيتى ومعه حلف وارسو مثل ديناصورين يتصارعان حتى الموت، نظامان مختلفان يتصور كل منهما ألا حياة له إلا بالتخلص من الآخر أو أضعافه بدرجة لا يستطيع معها تهديد وجوده، وكان التنافس بينهما على جمع المعلومات السرية المدفونة فى الخزائن الفولاذية أو تلافيف العقول المسموح لها بالاطلاع عليها هو وقود تلك الحرب.

كانت لندن واحدة من أهم مناطق العمليات السرية، ومازالت رقعة ساخنة تحركت عليها المخابرات الأمريكية (سى .آي. إيه) والمخابرات الروسية (كى .جى .بى)، وبينهما المخابرات البريطانية.

فى هذا المناخ امتلك السوفيت شبكة تجسس هائلة، يقودها ستيفن وارد طبيب عظام لامع، له علاقات واسعة مع علية القوم فى مجلس اللوردات والحكومة ورجال الأعمال ونجوم السينما، ومنهم وزير الدفاع جون بروفومو، وكان ستيفن يديره ضابط مخابرات سوفيتى داهية، حل على لندن فى هيئة ملحق بحرى بالسفارة السوفيتية «أوجين أيفانوف».

واستطاع وارد أن يجند فتاة لعوبا فائقةالجمال هى كريستين كيللر، سلمها إلى إيفانوف، ثم وضعها فى طريق بروفومو فى سهرة على حمام سباحة نزلت إليه شبه عارية.

وعلى الفراش كانت كريستين تنقل ما يبوح به وزير الدفاع وهو فى حضنها إلى الضابط الروسى وهى بين ذراعيه، مقابلاته سفرياته وتفاصيل كثيرة.

وانفجرت الفضيحة كانشطار قنبلة نووية حين أطلقت كيللر الرصاص على شقة ستيفن وارد فى لحظة جنون، ولم ينصب اهتمام البريطانيين والغربيين على عقاب السوفيت على ما اقترفوه ضدهم، ولكن على إنكار الحقيقة، وقلب الفضيحة السياسية إلى فضيحة عارية، ودفعت الصحف إلى الإفراط فى فتح الملفات العاطفية، حتى تلتهم كل «آثار» الأخطار الجسمية التى أصابت الأمن البريطانى والغربي.. حتى إنها لم تطلب طرد إيفانوف من لندن ساعتها..فلماذا طردت هذه المرة ثلاثين دبلوماسيا وحثت 20 دولة أن تحذو حذوها، منها الولايات المتحدة وكندا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا؟

الحكاية ببساطة شديدة هى رسائل متبادلة، ليس بين روسيا والغرب، رسائل غير مباشرة إلى عالم الجواسيس، الروس يودون أن يظهروا العين الحمراء لكل من يتجسس عليهم وأنه ليس بمأمن من أيديهم حتى لو فر إلى الغرب ونال حمايته، وبريطانيا تريد أن تقول لعملائها إنها قادرة على حمايتهم ولا خوف من الاستمرار فى عملهم، ولن يفلت الروس بفعلتهم.. وشيء طبيعى أن يعضد الغرب بريطانيا عقابا على دور روسيا المتصاعد فى الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا