>

«عقيدة بوتين» ميلاد نظام دولى جديد

مصطفى السعيد

جاءت كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن مبادئ عقيدة السياسة الخارجية الروسية، في كلمته السنوية أمام البرلمان الاتحادي الروسي الخميس الماضي، بمثابة إعلان عن نظام عالمي جديد وفقا لرؤية بوتين، وسعي فيها بوتين إلي تأكيد حرص روسيا علي التعاون والشراكة مع أوروبا وأمريكا في احتواء النزاعات، والدعوة إلي إنشاء تحالف دولي واسع لمحاربة الإرهاب تحت راية الأمم المتحدة، وقال إنه لا بديل لهذه المنظمة الأممية لتنظيم وتنسيق العلاقات الدولية، وأطلق مبادرة لتقليص القدرات النووية، وجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي، لكن عقيدة بوتين الجديدة لم تكن كلها لينة وداعية للتلاقي والشراكة علي أسس واضحة وثابتة، وإنما أشار إلي أن أي تحرك غير ودي تجاه روسيا سوف يواجه بالقوة.

ركزت عقيدة بوتين علي مرجعية الأمم المتحدة ومجلس الأمن وعدم تجاوزهما بالتدخل الخارجي في شئون الدول الأخري دون تفويض دولي، مثلما حدث في غزو العراق، والتدخل الواسع للتحالف الذي شكلته الولايات المتحدة لمحاربة داعش، والذي أطلق يدها في التدخل والإطاحة بأي نظام لا ترضي به أمريكا تحت زريعة مطاردة داعش، كما أشارت إلي عدم اعتراف روسيا بأن تتجاوز التشريعات الأمريكية حدود أمريكا، وأن تفرض قوانينها الداخلية علي العالم، في إشارة واضحة لقانون جاستا الذي يقضي بحق القضاء الأمريكي فرض تعويضات علي الدول الضالعة في هجمات 11 سبتمبر.

أراد بوتين العودة إلي المرجعية الأممية في أي قرار بالتدخل، رغم أن مجلس الأمن لا يبدو أنه يحظي برضا بوتين، لكن لا يوجد بديل أفضل منه حتي الآن، لكنه في النهاية أقل ضررا من تجاوز الولايات المتحدة للقوانين الدولية، وتشكيلها تحالفات تكون بديلة عن هذه المنظمة الدولية، وتفرض أمرا واقعا تتفرد فيه بالقرار الدولي.

إن بساطة المبادئ التي يطرحها بوتين، والتي يصعب العثور فيها علي ما يتعارض مع مبادئ العلاقات الدولية، فإنها تعني أن الوقت قد حان لوضع حد للانفراد الأمريكي بالقرار الدولي، وإنهاء وضع أمريكا فوق القانون، وأن تجعل من نفسها المرجعية والقوة المطلقة القادرة علي التصرف كما يحلو لها، وبمعايير مزدوجة وفق أهوائها ومصالحها.

كانت روسيا قد ضاقت بزحف حلف الناتو بقيادة أمريكا نحو الحدود الروسية، ووصل إلي جورجيا جنوبا وأوكرانيا غربا، ويواصل خطط نشر الدرع الصاروخية حول روسيا، وأن محاولة تفكيك الاتحاد الروسي مازالت علي أجندة حلف الناتو، ولهذا ردت روسيا بقوة في هذه المناطق، التي وصلت حد الصدام، وجاءت الذروة في التحرك في سبتمبر من العام الماضي في سوريا، بعد أن رأت فيه روسيا تهديدا مباشرا لها، وأن الولايات المتحدة عازمة علي فرض الهيمنة علي العالم، والإطاحة بكل معايير السيادة الوطنية للدول، وتمكنت عبر تحالف محدود العدد، من إجهاض مخطط التحالف الدولي بقيادة أمريكا، والذي ضم نحو 60 دولة.

لقد كانت الساحة السورية هي الاختبار الأهم، ومنها انطلقت الرسالة الجديدة بأن نظاما عالميا جديدا علينا أن نلتزم بمبادئه وموازين القوي الجديدة فيه، ولهذا أكد بوتين في كلمته ضرورة احترام حدود الأراضي السورية واستقلالها والسيادة علي أراضيها، وأن روسيا ستظل ملتزمة بمحاربة الإرهاب في سوريا في إطارهذه المبادئ.

هكذا انطلقت عقيدة بوتين لتحاول تدشين مبادئ قديمة جري تجاوزها ودهسها طويلا من جانب الولايات المتحدة وحلف الناتو، ورأي أن الوقت حان لإعادة الاعتبار لهذه المبادئ، مستندا إلي عدة متغيرات، أهمها صعود ترامب إلي سدة الحكم، وإشاراته إلي الرغبة في التعاون مع روسيا في مواجهة الإرهاب، وارتفاع أصوات أوروبية عدة تؤيد هذا التوجه، خاصة فرنسا التي تتأهب لمرحلة جديدة بعد نحو أربعة أشهر، والمتوقع أن يترتب عليها تغييرات جذرية في سياستها الخارجية، والعامل الأكثر أهمية هو نتائج الحرب السورية، والتي كشفت أن مثل هذه السياسات باهظة التكلفة، وليست مضمونة العواقب، وأنها قد تطلق شرر الحرب علي نطاق واسع، وفي النهاية لم تحقق أي أهداف مثمرة للدول المشاركة فيها.

لم يكن بمقدور بوتين الإعلان عن هذه المبادئ التي يري أن تكون ملزمة لكل الدول إلا بعد التأكد من قدرة روسيا علي تشكيل تحالف دولي قادر علي مواجهة أي تجاوزات لهذه المبادئ، وأن منظمة شنغهاي يمكن أن تكون وعاء تجمع دولي جديد قادر علي مجابهة الناتو، في حالة إذا استمر في استفزاز وتطويق روسيا وإيران والصين، وهي الدول التي اتضح تنسيقها السياسي والعسكري في الآونة الأخيرة، والتي كثيرا ما تتعرض للعقوبات الاقتصادية الأمريكية، والتي يبدو أنها لن تصمت علي مثل هذه الإجراءات الأمريكية الأحادية، وجاءت عقيدة بوتين لتعبر عنها، وتعلن عن أسس نظام عالمي جديد.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا