>

«سايكس بيكو» أمريكية ــ روسية

د . هالة مصطفى

من بين تصريحاته الكثيرة التى أدلى بها ثم تراجع عنها, تبدو إعادة بناء العلاقات الأمريكية الروسية هى الخط الثابت الواضح فى فكر الرئيس الأمريكى الجديد دونالد ترامب. ففى حديثه للـ «نيويورك تايمز» بعد انتخابه, أعاد تأكيد التزامه بالتعاون مع نظيره فلاديمير بوتن لإيجاد حلول مشتركة لأزمات الشرق الأوسط خاصة ما يتعلق بالأزمة السورية، التى بدت وجهة نظره فيها أقرب للطرح الروسى المؤيد والداعم لنظام بشار الأسد درءا للمجهول الذى قد يأتى مع أى بديل له, ستكون جماعات التطرف الإسلامى هى الأصل فيه, وهو ما يعنى أن توجهه ناحية موسكو لم يكن من قبيل التصريحات العابرة أو نقدا مجردا لسياسة الإدارة الديمقراطية التى انتهت ولايتها.

ترامب باختصار سيجعل من الحرب على الإرهاب خاصة فى مواجهة داعش, ركيزة أساسية لمجمل سياساته, ولأنه معروف بنزعته الانعزالية التى تسعى للتقليص من احتمالات التدخل العسكرى المباشر أو توريط بلاده فى حروب مكلفة باهظة الثمن مثلما حدث فى العراق وأفغانستان, فإنه ببساطة سيعيد صياغة علاقاته بالأعداء أو الأصدقاء أو الحلفاء وفقا لهذا المعيار, أى ستكون له سياسة متغيرة إزاءهم بقدر ما يتوافقون مع الاستراتيجية الأمريكية لتحقيق أهداف هذه الحرب وبحسب دورهم وموقعهم فيها, وليس من خلال أطر جامدة أو أنماط جاهزة كما كان فى الماضى, ينطبق ذلك على القوى الدولية (أوروبا وروسيا) أو الاقليمية (السعودية, مصر, تركيا, إيران) فلغة المصالح وحدها هى التى ستحكم. واتساقا مع هذه الرؤية فقد أعلن صراحة تخليه عن مفهوم »تغيير الأنظمة« أونشر الديمقراطية فى الدول الأخرى أو دعم وتسليح أى معارضة, وهى السياسة التى طالما تبنتها واشنطن وثبت - كما يرى - فشلها سواء فى حالة العراق, التى تمت بتدخل أمريكى بريطانى منفرد أو فى ليبيا من خلال حلف الناتو. وهو ما دعا عالم السياسة الأمريكى المعروف فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية «نهاية التاريخ» فى مقال له بالـ»فاينانشيال تايمز« لاعتبار فوز ترامب نقطة تحول مفصلية ليس فقط بالنسبة للسياسة الأمريكية بل وللنظام العالمى بأسره، وأنه يشكل التحدى الأكبر الذى ستواجهه الديمقراطية الليبرالية.

والواقع أن القراءة السياسية لأفكار ترامب تشير إلى بعده التام عن نظرية فوكوياما التى بشرت بالانتصار النهائى للديمقراطية الليبرالية بعد انقضاء عصر الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتى وتحول معظم دول أوروبا الشرقية التى كانت خاضعة له للديمقراطية على النمط الغربى ما يعنى إمكان تعميمها على جميع الدول, وأنه - أى ترامب - على العكس أقرب إلى تبنى النظرية المضادة لها المتعلقة بـ «صدام الحضارات» ما بين الحضارة الغربية وما عداها من حضارات وثقافات شرقية خاصة الاسلامية منها, والتى قال بها عالم السياسة الأمريكى الآخر صموئيل هنتنجتون, وجاءت كنقد مباشر على النظرية الأولى مؤكدة الصدام الحتمى بين الاسلام والغرب من ناحية الثقافة العامة ومنظومة القيم السائدة فى كل منهما, وبالتالى صعوبة - إن لم تكن استحالة - تحويل المجتمعات الإسلامية إلى الديمقراطية بمفهومها الغربى أو الليبرالى.

بعبارة أخرى, لم يقع ترامب تحت تأثير أفكار بوتين- مثلما يذهب البعض - بقدر ما تلاقت أفكارهما حول هذه النقطة تحديدا ومن ثم يصبح من المنطقى توظيف الدور الروسى فى مواجهة التنظيمات الاسلامية المتطرفة, حتى وإن تطلب الأمر تقديم بعض التنازلات السياسية لموسكو والاعتراف لها بمناطق نفوذ حيوية سواء فى محيطها الجغرافى أو الشرق الأوسط. ففى النهاية لم يعد يُنظر لروسيا اليوم على أنها الاتحاد السوفيتى الخصم الأيديولوجى العنيد للولايات المتحدة, إذ ليست هناك ماركسية تُصدرها ولا ثورات تساندها فى مواجهة الرأسمالية و«الامبريالية الغربية» ولا أحلاف على أساس عقيدة سياسية ولا نزعة «أممية» لقيادة العالم, وإنما فقط مصالح ودور طموح لتعزيز مكانتها الدولية وتوسيع مصادر ثروتها وقوتها, إنه منطق «الدولة القومية».

الدول الأوروبية من جانبها تتخوف من هذا التقارب وتعبر عنه صراحة من خلال صحافتها ودوائرها الدبلوماسية, فترى فيه تخليا عن قيم الغرب الأساسية فى الدفاع عن الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان, وهو تحول كامل عن المعايير الأخلاقية التى نظمت علاقات واشنطن بحلفائها الغربيين, وأنه من الجانب السياسى يمنح روسيا مكانة على الساحة الدولية لا يرونها مُستحقة لها, فضلا على ما يمكن أن يؤدى إليه من إعادة ترسيخ نفوذها فى أوروبا الشرقية والاعتراف الضمنى بضمها بالقوة شبه جزيرة القرم فى أوكرانيا مما يشكل سابقة فى القانون الدولى قد تشجع النزعات الانفصالية فى أماكن أخرى. أما على مستوى حلف الناتو فالقضية تبدو أكثر تعقيدا لأنه يعد تراجعا عن المسلمات التى حكمت العلاقات بين ضفتى الأطلنطى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

أما أهم ما أُثير فى هذا السياق, فهو الحديث عن إمكان التحول عن اتفاقية «سايكس - بيكو» التى ُوقعت بين أهم دولتين أوروبيتين (بريطانيا وفرنسا) وروسيا (ما قبل الثورة البلشفية) أعقاب الحرب العالمية الأولى, وتم بمقتضاها كما هو معروف اقتسام النفوذ بين الدول الثلاث على الأراضى التى كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية, ولأن الحروب التى تشهدها منطقة الشرق الأوسط حاليا لها طابع طائفى ومذهبى تتسابق فيها القوى الإقليمية الكبيرة سنية وشيعية على مد نفوذها وسيطرتها عليها, وتدور أغلبها حول مدن و مناطق بعينها داخل الدولة الواحدة, فيقال معركة حلب، الموصل، الرقة، دير الزور، كوبانى، وهناك أيضا أقليات تطالب بالاستقلال كالأكراد, أى إنها ظروف شبيهة بما كان عليه الحال فى بدايات القرن الماضى وقت توقيع الاتفاقية, وبالتالى فإن أى حلول قد تُفضى إلى التقسيم أو رسم خريطة جديدة, أى إنه, وبعد مائة سنة قد نُصبح إزاء سايكس بيكو جديدة ولكن هذه المرة لن تكون أوروبية - روسية وإنما أمريكية - روسية.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا